أبي منصور الماتريدي
19
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - الدالة على الترتيب بلا مهلة ، وكلاهما يوجب الحدوث ، وبخاصة إذا كان ذلك الشيء حادثا واقفا في الاستقبال . وأما التقدم على الكائن الحادث بمدة يسيرة فظاهر أيضا دلالته على الحدوث . فإن قيل : وقوع كلمة « كن » عقيب إرادة تكوين الأشياء على ما تعطيه كلمة الجزاء وإن دل على حدوثها ، لكن عموم لفظ « شيئا » من حيث وقوعه في سياق النفي معنى ، أي : ليس قولنا لشيء مما نقصد إيجاده وإحداثه ، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - : « وإنما لكل امرئ ما نوى » - يقتضي قدمها : إذ لو كانت حادثة لوقعت بكلمة « كن » أخرى مسابقة ويتسلسل . وإن جعلتم هذا الكلام لا على حقيقته بل مجازا عن سرعة الإيجاز فلا دلالة فيه على حدوث « كن » . قلنا : حقيقته أن ليس قولنا لشيء من الأشياء عند تكوينه إلا هذا القول ، وهو لا يقتضي ثبوت هذا القول لكل شيء . الوجه الثالث : قوله عزّ وجل : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [ البقرة : 30 ] و « إذ » ظرف زمان ماض ؛ فيكون قوله الواقع في هذا الظرف مختصّا بزمان معين محدث ، أما للمختص بالحال والاستقبال فظاهر ، وأما المختص بالماضي ؛ فلأن الانتقال في الحال أو الاستقبال ينافي القدم ؛ لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه . الوجه الرابع : قوله عزّ وجل : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [ هود : 1 ] فإنه يدل على أن القرآن مركب من الآيات التي هي أجزاء متعاقبة ؛ فيكون حادثا . وقال ابن عباس - رضي الله عنه - : أُحْكِمَتْ أي : لم ينسخ بكتاب كما نسخت الشرائع به ، ثُمَّ فُصِّلَتْ : بينت بالأحكام والحلال والحرام ، وكذا قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ يوسف : 2 ] يدل على أن كلامه - عزّ وجل - قد يكون عربيّا تارة وعبريّا أخرى ، وذلك دليل حدوثه ، ودلالة الآية الكريمة على أن كلام الله - تعالى - قد لا يكون عربيّا ، ظاهرة ؛ فإن الذوق السليم يفهم من التخصيص ذلك . وأما دلالته على أنه قد يكون عبريّا تارة أخرى فيضم إليه أن التوراة أيضا كلامه بالاتفاق ، على أن المراد قد يكون عبريّا ؛ فإن المقصود هاهنا مجرد الدلالة على التغير . الوجه الخامس : قوله عزّ وجل : حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] فإنه يدل على أن كلامه مسموع فيكون حادثا ؛ لأن المسموع لا يكون إلا حرفا وصوتا . الوجه السادس : أن القرآن معجز إجماعا ، ويجب مقارنة المعجز للدعوى حتى يكون تصديقا للمدعي في دعواه ؛ فيكون حادثا مع حدوثها ، وإن لم يكن مقارنا لها حادثا معها ، بل يكون قديما سابقا عليها - فلا اختصاص له به وتصديقه . الوجه السابع : أن القرآن موصوف بكونه « منزلا » و « تنزيلا » ، وذلك يوجب حدوثه ؛ لاستحالة الانتقال بالإنزال والتنزيل على صفاته القديمة القائمة بذاته تعالى ؛ إذ لا خفاء في امتناع نزول المعنى القديم القائم بذاته عزّ وجل بخلاف اللفظ ؛ فإنه وإن كان عرضا لا يزول عن محله ، لكن قد ينزل الجسم الحامل له ؛ فيوصف اللفظ بذلك بالنزول ولو مجازا . الوجه الثامن : قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه : « يا رب القرآن العظيم ، ويا رب طه ويس » فالقرآن مربوب كلّا وبعضا ، والمربوب محدث اتفاقا . الوجه التاسع : أنه عزّ وجل أخبر بلفظ الماضي نحو : إِنَّا أَنْزَلْناهُ [ يوسف : 2 ] إِنَّا أَرْسَلْنا [ القمر : 19 ] ولا شك أنه لا إرسال ولا إنزال في الأزل ، فلو كان كلامه قديما لكان كذبا ؛ لأنه إخبار بالوقوع في الماضي ، ولا يتصور ما هو ماض بالقياس إلى الأزل . -