أبي منصور الماتريدي

177

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ . قال بعضهم : هذه الآية صلة قوله : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ [ الأنفال : 5 ] ، يقول - والله أعلم - : أجيبوا لله وللرسول إلى ما يدعوكم ، وإن كانت أنفسكم تكره الخروج لذلك ؛ لقلة عددكم ، وضعف أبدانكم ، وكثرة عدد العدو وقوتهم . وقوله - عزّ وجل - : إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ . بالذكر ، والشرف والثناء الحسن في الدنيا ، والحياة في الآخرة اللذيذة الدائمة ، وإن متم وهلكتم فيما يدعوكم إليه ، يكون لكم في الآخرة حياة الأبد . ويحتمل أن تكون الآية في جملة المؤمنين ، أي : استجيبوا لله في أوامره ونواهيه ، وللرسول فيما يدعوكم إليه ، وإنما كان يدعو إلى دار الآخرة ؛ كقوله - تعالى - : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ [ يونس : 25 ] ودار الآخرة هي دار الحياة ؛ كقوله : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ العنكبوت : 64 ] ؛ كأنه قال - والله أعلم - : أجيبوا لله وللرسول ، فإنه إنما دعاكم إلى ما تحبون فيها ، ليس كالكافر الذي لا يموت فيها ، ولا يحيا بتركه الإجابة . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ . يخرج على وجهين : يحول بين قلب المؤمن وبين الكفر . ويحول بين الكافر والإيمان . وقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ . أمكن أن يخرج هذا على الأول ، أي : اعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه ، يجعل القوي ضعيفا ، والعزيز ذليلا ، والضعيف قويا ، والذليل عزيزا ، والشجاع جبانا ، والخائف آمنا ، والآمن خائفا ، فأجيبوا للرسول بالخروج للجهاد « 1 » ، وإن كنتم تخافون لضعفكم

--> ( 1 ) الجهاد ، مصدر : جاهد يجاهد ، مجاهدة وجهادا ، كقاتل يقاتل ، مقاتلة وقتالا ، وهو مأخوذ من الجهد - بالضم - أي : الوسع والطاقة أو الجهد - بالفتح - أي : المشقة أو المبالغة والغاية . قال الراغب في مفردات القرآن : والجهاد ، والمجاهدة : استفراغ الوسع في مدافعة العدو . وهي كلمة إسلامية تستعمل بمعنى الحرب عند بقية الأمم ، إلا أنها قد تطلق بمعناها اللغوي الأعم على مجاهدة النفس ، ويكون ذلك بتعلم أمور الدين ، والعمل بها ، وتعليمها ، ومجاهدة الشيطان بدفع ما يأتي به -