أبي منصور الماتريدي

178

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوتهم . ويحتمل في جملة المؤمنين ، أي : من أجاب لله وللرسول إذا دعاه ، يجعل قلبه هو الغالب على نفسه ، والحائل بينه وبين ما تدعو إليه النفس ، وإذا ترك الإجابة ، يجعل نفسه هي الحائلة بينه وبين ما يدعو إليه قلبه والداعية إلى ذلك وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . وقيل « 1 » : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ : بالطاعة في أمر القتال ، إِذا دَعاكُمْ : إلى الحرب ، لِما يُحْيِيكُمْ يعني : بالحرب التي أعزكم الله ؛ يقول : أحياكم الله بعد الذل ، وقواكم بعد الضعف ، وكان ذلك حياة . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يخرج على وجهين : أحدهما : يستعجل التوبة « 2 » قبل أن ينزل به الموت ؛ يقول : أجيبوا لله وللرسول قبل أن

--> - من الشبهات وما يزينه من الشهوات . كما تطلق على مجاهدة الفساق ، وسبيل ذلك منعهم باليد ثم اللسان ثم القلب ، كما جاء في الحديث الشريف : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » ، وتطلق على مجاهدة الكفار وقتالهم باليد ، والمال ، واللسان ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم » رواه أحمد وأبو داود ، إلا أن لفظ الجهاد أصبح حقيقة شرعية عند الإطلاق في بذل الجهد في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله . ينظر لسان العرب ، وتاج العروس مادة ( جهد ) ، وفتح القدير ( 4 / 277 ) ، وكشاف القناع ( 3 / 36 ) . ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 212 ) ، ( 15887 ) عن ابن إسحاق بنحوه ، وذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 240 ) . ( 2 ) التوبة في اللغة : العود والرجوع ، يقال : تاب ، إذا رجع عن ذنبه وأقلع عنه . وإذا أسند فعلها إلى العبد يراد به رجوعه من الزلة إلى الندم ، يقال : تاب إلى الله توبة ومتابا : أناب ورجع عن المعصية ، وإذا أسند فعلها إلى الله - تعالى - يستعمل مع صلة ( علي ) يراد به رجوع لطفه ونعمته على العبد والمغفرة ، يقال : تاب الله عليه : غفر له وأنقذه من المعاصي ؛ قال الله تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . وفي الاصطلاح ، التوبة هي : الندم والإقلاع عن المعصية من حيث هي معصية ، لا لأن فيها ضررا لبدنه وماله ، والعزم على عدم العود إليها إذا قدر . وعرفها بعضهم بأنها الرجوع عن الطريق المعوج إلى الطريق المستقيم . وعرفها الغزالي بأنها : العلم بعظم الذنوب ، والندم والعزم على الترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي . وهذه التعريفات وإن اختلفت لفظا هي متحدة المعنى . وقد تطلق التوبة على الندم وحده ؛ إذ لا يخلو عن علم أوجبه وأثمره وعن عزم يتبعه ؛ ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الندم توبة » . والندم : توجع القلب وتحزنه لما فعل وتمني كونه لم يفعل . قال ابن قيم الجوزية : التوبة في كلام الله ورسوله كما تتضمن الإقلاع عن الذنب في الحال ، والندم عليه في الماضي ، والعزم على عدم العود في المستقبل - تتضمن أيضا العزم على فعل المأمور والتزامه ، فحقيقة التوبة : الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يجب وترك ما يكره ؛ ولهذا علّق سبحانه وتعالى الفلاح المطلق على التوبة حيث قال : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . -