أبي منصور الماتريدي
168
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم أخبر أن من ولى دبره بسوى ما ذكر فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . قالت المعتزلة : دل ما أوعد المتحرف بغير قتال والمتحيز إلى غير الفئة بقوله : فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ - أن مرتكب الكبيرة يخلد في النار ؛ لأنه ذكر في أول الآية المؤمنين ، ولهم خرج الخطاب بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً ، ثم أوعد لهم الوعيد الشديد ما يوعد أهل النار غير أهل الإيمان ؛ فدل « 1 » أنه يخرج عن الإيمان بارتكاب الكبيرة ، ويخلد في النار . وقالوا : لا يجوز صرف الآية إلى أهل النفاق ؛ لما ذكر في القصة أنه لم يكن يوم بدر منافق . لكن هذا غلط ؛ قال الله - تعالى - : إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ [ الأنفال : 49 ] ، وإنما قالوا ذلك يوم بدر ؛ كذلك ذكر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ، فإن كان مستثنى من قوله : فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، لم يكن فيه رخصة التولي ، ولكن فيه دفع الوعيد الذي ذكر ، وإن كان مستثنى من قوله : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ، ففيه رخصة التولي إلى ما ذكر . ثم الدلالة على أنه مستثنى من هذا دون الأول ما جاء عن غير واحد من الصحابة توليه الدبر إلى ما ذكر ، وكذلك روي عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أنا فئة لكل مسلم » « 2 » . وبعد ، فإنه لم يكن لأهل الإسلام فئة يوم بدر يتحيزون إليها ، فدل أنها في المنافقين
--> - المسلمين كما أشارت إليه آية : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ . وإذا نظرنا إلى أن الحكم في الحروب هو القدرة والاستعداد وأنهما تارة يكونان من جهة العدد وأخرى من جهة العدد وثالثة من جهتهما معا - وجب تطبيق التخفيف الذي أباح الله به للمؤمنين الفرار ، على ما تكون عليه حالة الجيوش من القوة والاستعداد ، فإذا كان الجيشان متكافئين في القوة وزاد عدد الكفار على الضعف جاز الفرار ، وإذا كان للمسلمين قوة واستعداد يكافئ زيادة عدد الكفار على الضعف أو يزيد عنها ، حرم الفرار ، وفي هذه الحالة يكون المعول عليه - كما قال صاحب بدائع الصنائع وغيره - : غالب الرأي وأكبر الظن دون العدد . ينظر : بدائع الصنائع ( 7 / 98 ) ، بداية المجتهد ( 1 / 404 ) ، نيل الأوطار ( 7 / 211 ) ، تفسير أبي السعود ( 2 / 234 ) ، روح المعاني للآلوسي ( 2 / 264 ) . ( 1 ) في ب : دل . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 2 / 58 ) ، ( 70 ) ، وأبو داود في سننه ( 2 / 52 ) كتاب الجهاد ، باب في التولي يوم الزحف ( 2647 ) ، والبيهقي في سننه ( 9 / 77 ) ، وابن أبي شيبة في مصنفه ( 12 / 536 ) بنحوه .