أبي منصور الماتريدي
169
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وأهل الكفر ، والله أعلم . ثم يقال : يجوز أن يكون ما ذكر من الوعيد لمعنى في التولية عن الدبر والإعراض ، لا لنفس التولية عن الدبر ؛ إذ قد ذكر التولية عن الدبر في آية أخرى ، والعفو عن ذلك ، وهو قوله - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا . . . [ آل عمران : 155 ] الآية . فإن قيل : لعل التوبة مضمرة فيه ، تابوا فعفا عنهم . قيل : إن جاز أن تجعل « 1 » التوبة مضمرة فيها ، جاز أن يضمر في التولية عن الدبر الردة ، فليست « 2 » تلك أولى بإضمار التوبة من هذه بإضمار الردة ، وفي الآية معان تدل على الإضمار ؛ إضمار ما يوجب الوعيد الذي ذكر - والله أعلم - : أحدها : ذكر التحيز إلى الفئة ، وإذا لم يكن للمسلم فئة يتحيز إليها ، فإذا تحيز إنما يتحيز ليصير إلى العدو ، فهو الردة التي ذكرنا . والثاني : ما ذكر في بعض القصة « 3 » أنه لما اصطف القوم رفع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يديه ، فقال : « يا رب ، إن تهلك هذه العصابة ، فلن تعبد في الأرض أبدا » ، ومن هرب أو ولى الدبر عن مثل تلك الحال ، لم يول إلا لقصد ألا يعبد ، فهو كفر . والثالث : قد وعد لهم النصر والظفر على العدو ، فمن ولى الدبر ، لم يول إلا لتكذيب بالوعد الذي وعد لهم . وقوله - عزّ وجل - : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى . قيل فيه بوجوه : يحتمل قوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ، أي : لم تكن جراحاتكم التي أصابتهم بمصيبة المقتل ، ولا عاملة في استخراج الروح ، ولا كانت قاتلة ، ولكن الله - تعالى - صيرها قاتلة مصيبة المقتل ، عاملة في استخراج الروح ؛ لأن من الجراحات ما إذا أصابت لم تصب المقتل « 4 » ، ولا عملت في استخراج الروح .
--> ( 1 ) في أ : يجعل . ( 2 ) في ب : فليس . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 188 ) ، ( 15747 ) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 308 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبي داود والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي عوانة وابن حبان وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن ابن عباس . ( 4 ) في أ : القتل .