أبي منصور الماتريدي

167

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - وحكم الآية باق بشرط الضعف الذي بينه الله - تعالى - في قوله : فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ . . . الآية والذي يؤيد أن الإشارة عامة في كل زحف : أن الآية نزلت بعد انقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه . واستدل الجمهور بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ، وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وقالوا : إن الآيات عامة في كل زحف وليست خاصة بغزوة بدر ، دل على ذلك ما صح في مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « اجتنبوا السبع الموبقات » ، وعد منها الفرار يوم الزحف ؛ فدل على حرمته في كل زحف وزمان ، غير أن هذه الحرمة مقيدة بأمرين : أحدهما - ما دل عليه قوله تعالى : إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ؛ فإنه متى قصد أحد هذين الأمرين من الفرار لم يكن محرما ، بل قد يكون واجبا إذا اقتضته المصلحة كضم قوة المسلمين بعضها إلى بعض . ثانيهما - عدم زيادة الكفار على ضعف عدد المسلمين ، أما إذا زادوا على الضعف فاختلف الفقهاء في حكمه : فذهب الحنابلة إلى جواز الفرار مطلقا ، وذهب المالكية إلى جوازه ما لم يبلغ جيش المسلمين اثني عشر ألفا غير مختلفين على أنفسهم ، فإن بلغوا هذا العدد مع الاتحاد حرم الفرار ، ونسبه الجصاص إلى الحنفية ، ورأى صاحب البدائع منهم أن العبرة بالقوة والاستعداد دون العدد ، فقال : والغزاة إذا جاءهم جمع من المشركين ما لا طاقة لهم به وخافوهم أن يقتلوهم فلا بأس لهم أن ينحازوا إلى بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم ، والحكم في هذا الباب لغالب الرأي وأكبر الظن دون العدد ، فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات ، وإن كانوا أقل عددا منهم ، وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم وإن كانوا أكثر عددا من الكفرة . وذهب ابن حزم إلى تحريم الفرار مهما بلغ العدد . واستدل الشافعية والحنابلة بقوله تعالى : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً . . . الآية ، ووجه الاستدلال : أنها دلت على وجوب ثبات المائة للمائتين بعد أن كان الواجب أن تثبت المائة للألف ، وذلك تخفيف من الله ورحمة . وعلى ذلك فإذا زاد الكفار على هذه النسبة جاز للمسلمين الفرار . واستدل المالكية بما رواه الزهري عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من حديث فيه طول : « ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة » ، ووجه الدلالة : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول ما معناه : إذا بلغ جيشكم هذا العدد فلا تأتيه الهزيمة من جهة عدده ، وإنما تأتيه من وقوع الخلف بينكم ، فإذا كانت الهزيمة لا تأتي من العدد فلا يجوز الفرار . وتمسك ابن حزم بظاهر قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ؛ فإنها تدل بظاهرها على وجوب الثبات مهما بلغ عدد العدو . المناقشة : يرد على الحديث الذي استدل به المالكية أنه غير صحيح ؛ فقد قال العلامة القرطبي : رواه بشر وأبو سلمة العاملي ، وهو الحكم بن عبد الله بن خطاف ، وهو متروك . وعلى فرض صحته فالمراد منه : أن الغالب على هذا العدد النصر أو الظفر ، ولا تعرض فيه لحرمة الفرار أو عدمها ، وبهذا يرد على المالكية والحنفية فيما نسبه الجصاص إليهم . ويرد علي ابن حزم أن الأمر بعدم الفرار في الآية مخصص بألا يزيد العدد على ضعف عدد -