أبي منصور الماتريدي

154

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والرابع : يحتمل قوله : إنما المؤمنون هم الذين فعلوا هذا وأتوا بذلك كله ، لكنهم أجمعوا : أن من آمن بقلبه وصدق كان مؤمنا وإن لم يأت بغيره من الأفعال ؛ نحو أن يؤمن ثم يخترم ويموت من ساعته مات مؤمنا ؛ فدل أنه لم يخرج ذلك على الشرط لما ذكرنا ، ولكن على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ يخرج على وجوه : أحدها : يخبر أن المؤمن هو على وصف ما ذكر . أو يقول : إن المؤمنين الذين ينبغي أن يكونوا ما ذكر . أو يقول : إنما المؤمنون المختارون ما ذكر ، جعل الله تعالى ما ذكر من وجل القلب وغيره علما بين الذين حققوا « 1 » الإيمان في الظاهر والباطن وبين الذين أظهروا الإيمان وأضمروا الكفر والخلاف ، وكذلك ما ذكر في آية أخرى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا [ النور : 62 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً يحتمل قوله : آياتُهُ : حججه وبراهينه إذا تليت عليهم ذلك يزداد لهم ثباتا وقوة على ما كانوا ، وأما المنافقون فإن الآيات التي نزلت كانت تزداد لهم بها رجسا وبعدا فإن « 2 » المؤمنين يزيد لهم ذلك ثباتا وقوة . أو ذكر الزيادة ؛ لأن للإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة ، فإذا كان له حكم الحدوث والتجدد فهو زيادة على ما كان ، فإن شئت سميتها زيادة وإن شئت سميتها ثباتا . وقال أبو حنيفة - رحمه الله - : يزيد الإيمان بالتفسير على الإيمان بالجملة ، فإذا فسروا لهم وقالوا : فلان رسول ونبي ، ازداد بذلك له إيمانا وإن كان قد آمن به بالجملة ، وكذلك الإيمان بجميع الكتب والأمر وإن كنا نؤمن في الجملة أن له الخلق والأمر ، فإذا عرف ذلك الأمر ازداد له إيمانا في ذلك - والله أعلم - لأن من آمن بالله وأن له الخلق والأمر فقد أتى بعقدة الإيمان ، فإذا جاء بالتفسير واحدا بعد واحد ازداد له إيمانه بالتفسير على إيمانه بالجملة . وقوله - عزّ وجل - : وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي : على ربهم يتقون ويعتمدون في كل أمورهم لا يتوكلون على غيره إنما يتوكلون على الله وليس كالمنافقين هم إنما يتوكلون على النعم التي أعطوا ؛ كقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ

--> ( 1 ) في ب : تحققوا . ( 2 ) في ب : وأما .