أبي منصور الماتريدي
155
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ [ الحج : 11 ] ونحو ذلك ، وأما المؤمن فإنه في جميع أحواله يتوكل على الله ومنه يخاف ، وإن كان يصل ذلك إليه ويجري على يد غيره فهو في الحقيقة من الله . وقوله - عزّ وجل - : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ بحق الله الذي عليهم . وقوله - عزّ وجل - : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا يحتمل وجهين : يحتمل : أولئك الذين حققوا إيمانهم . والثاني : أولئك المؤمنون الذين وعد لهم وعدا حقّا ، وهو ما وعد لهم من الدرجات والمغفرة حق لهم ذلك الوعد ، والله أعلم . لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ قيل : فضائل عند ربهم وَمَغْفِرَةٌ أي : يستر عليهم ذنوبهم التي كانت لهم في الدنيا في الجنة وينسونها ؛ لأن ذكر ذلك ينقص عليهم نعمتهم التي أنعم عليهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ قيل : الحسن ورزق يكرم به أهله . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 5 إلى 6 ] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ( 5 ) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 ) وقوله - عزّ وجل - : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ لم يخرج لهذا الحرف جواب في الظاهر ؛ لأن جوابه أن يقول : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق يفعل بك كذا ، ثم أهل التأويل اختلفوا في جوابه : قال بعضهم : هو صلة قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ يقول : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ كما كرهوا الخروج وجادلوك في قسمة الأنفال ، جادلوك في أمر العير . ومنهم من يقول : جوابه في أمره بالقتال ، يقول : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وهم كارهون لذلك كذلك يكلفك القتال وهم كارهون لذلك . ومنهم من يقول : جوابه في قوله : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ يقول : كما أجبتم الله في الخروج للقتال على غير تدبير منكم في ذلك ولا نظر ، فعلى ذلك يجيبكم في النعاس أمنة منه وإنزال الماء من السماء والتطهير به وتثبيت الأقدام ، على غير علم منكم ولا تدبير . ومنهم من يقول : قوله : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ غير متأهبين للقتال ولا مستعدين