أبي منصور الماتريدي
141
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كانوا يوم بدر ثلاثة أثلاث : ثلث في نحر العدو ، وثلث « 1 » خلفهم ردء « 2 » لهم ، وثلث مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يحرسونه ، فلما فتح الله عليهم اختلفوا في الغنائم ؛ فقال الذين كانوا في نحر العدو : نحن أحق بالغنائم ، نحن ولينا القتال . وقال الذين كانوا ردءا لهم : لستم
--> - قد وعدتنا ، فقام سعد بن معاذ فقال : يا رسول الله إنك إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء ، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الآخرة ، ولا جبن عن العدو ، ولا ضن بالحياة ، أن نصنع ما صنع إخواننا ، وكلنا رأيناك قد أفردت فكرهنا أن تكون بمضيعة ، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك من ورائك . فتشاجروا فنزلت : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ الآية ، فنزعه الله تعالى من أيديهم ، فجعله إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقسمه صلى اللّه عليه وسلم بين المسلمين ، على بواء أي سواء ، فكان ذلك تقوى لله تعالى وطاعته ، وطاعة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وإصلاح ذات البين . وروى ابن أبي شيبة ، والإمام أحمد ، وعبد بن حميد ، وابن مردويه ، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيفة ، فأتيت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم به فقلت : يا رسول الله قد شفاني الله تعالى اليوم من المشركين فنفلني هذا السيف ، فأنا من قد علمت ، قال : إن هذا السيف لا لك ولا لي ، ضعه ، فوضعته ، ثم رجعت فقلت : عسى أن يعطي هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي فرجعت به فقال : اذهب فاطرحه في القبض . فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سلبي ، حتى إذا أردت أن ألقيه لامتني نفسي فرجعت إليه ، فقلت : أعطنيه ، فشدني صوته فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال ، فقال لي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : ( اذهب فخذ سيفك ) . وروى النحاس في تاريخه عن سعيد بن جبير أن سعدا ورجلا من الأنصار خرجا يتنفلان فوجدا سيفا ملقى فخرا عليه جميعا ، فقال سعد : هو لي ، وقال الأنصاري : هو لي لا أسلمه ، حتى آتي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فأتياه فقصا عليه القصة ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « ليس لك يا سعد ولا للأنصاري ولكنه لي » ، فنزلت : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ . . . الآية ، ثم نسخت هذه الآية فقال تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ الأنفال : 41 ] . وروى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن ابن عباس قال : الأنفال : المغانم كانت لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم خالصة ليس لأحد منها شيء ، ما أصاب من سرايا المسلمين من شيء أتوه به ، فمن حبس منه إبرة وسلكا فهو غلول ، فسألوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن يعطيهم منها شيئا ، فأنزل الله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قل : الأنفال لي ، جعلتها لرسلي ، ليس لكم منها شيء ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ، إلى قوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ثم أنزل الله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الآية ، ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين وفي سبيل الله ، وجعل أربعة أخماس الناس فيه سواء : للفرس سهمان ، ولصاحبه سهم ، وللراجل سهم . واستعمل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم علي الغنائم عبد الله بن كعب ، رضي الله عنه . ينظر : سبل الهدى والرشاد ( 4 / 89 - 91 ) ، والبداية والنهاية ( 3 / 302 ) . ( 1 ) في ب : وثلثهم . ( 2 ) الردء : العون والناصر ، والردء في الحقيقة : التابع لغيره معينا له . والرديء : كالردء ، إلا أنه غلب استعماله في المتأخر المذموم ؛ يقال : ردؤ يردؤ رداءة فهو رديء . وقرأ نافع : ( ردا ) من غير همز ، فقيل : أصله الهمز ، ولكنه نقل حركة الهمزة كما نقل ابن كثير في القرآن دون غيره . وقيل : هو الزيادة من قولهم : ردأت الغم ، ويردئ على المائة ، أي يزيد ، ذكره الفراء . ينظر : عمدة الحفاظ ( 2 / 89 ) ، والنهاية ( 4 / 213 ) ، ومعاني القرآن للفراء ( 2 / 306 ) .