أبي منصور الماتريدي

134

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

اختلف أهل التأويل في الذكر الذي ذكر في الآية ؛ منهم من صرف التأويل إلى كل ذكر . ومنهم من صرفه إلى التلاوة ؛ فإن كان ذكر الغدو والآصال كناية عن الليل والنهار فهو ذكر أحواله يذكر « 1 » الله - عزّ وجل - بنعمه وإحسانه ، وذكره بنعمه شكره ، أو يذكره بقدرته وسلطانه ، وذلك يحمله « 2 » على الخضوع له والتواضع ، أو يذكر أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، وذلك يوجب الإقرار بالتقصير ، والخوف لعقوبته ، والرغبة في وعده ؛ كأنه قال : واذكر ربك في كل حال من الليل والنهار إما شكرا لنعمه وإحسانه ، وإما الإقرار بالتقصير في أمره ونهيه ، وإما الخوف [ لوعيده ، وإما الرغبة [ « 3 » لوعده ، فكأنه قال : اذكر ربك تضرعا وتواضعا وخيفة مع الخوف . وإن كان تأويل الغدو والآصال كناية عن الغداة والعشي ، فهو كناية عن التلاوة ، وهو ما سبق من ذكر التلاوة من قوله : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وقوله : هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً [ الأعراف : 203 ] ، وهو كقوله : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [ الإسراء : 11 ] وتأويله - والله أعلم - : ولا تجهر بصلاتك في بعض صلاتك ، ولا تخافت في بعضها . أو أن يقال : لا تجهر الجهر العالي ، ولا تخافت غاية المخافتة ، ولكن بين ذلك . أو أن يقول : لا تشتغل بالجهر ، ولا بالمخافتة ، ولكن اقرأ لما فيه ، فعلى ذلك قوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ . وقرأ بعضهم « 4 » : وخفية وهو من الإخفاء ؛ حيث قال : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ، وأما ظاهر القراءة فهو وخيفة ، وهو من الخوف . وقال مجاهد : رخص الله أن تذكره في نفسك تضرعا وخيفة ، وأنت خلف الإمام تسمع قراءته . وَالْآصالِ ، قال أبو عوسجة : العشيات ، الواحد : أصل وأصيل . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ .

--> ( 1 ) في أ : بذكر . ( 2 ) في أ : يحتمله . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) ينظر : الدر المصون ( 3 / 391 ) ، واللباب ( 9 / 440 ) ، ومفاتيح الغيب للرازي ( 4 / 341 ) ، والبحر المحيط ( 4 / 453 ) .