أبي منصور الماتريدي
128
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وزعم بعضهم أن القارئ خفيّا يسمى ناصتا [ ومنصتا ] « 1 » ، واستدل بما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - [ قال كان ] « 2 » رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة ، قلت : بأبي أنت ، أرأيت سكاتك بين التكبير والقراءة ، أخبرني ما تقول ؟ قال صلى الله عليه وسلم : « أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المغرب والمشرق » « 3 » وغير ذلك من الدعوات ، فقال هذا القائل : قد سمى النبي صلى الله عليه وسلم القارئ مخفيا ساكتا ، والصامت مثل الساكت ، فيجوز أن يسمي صامتا ، وهو أن يقرأ مخفيا ، كما يسمى ساكتا . قال القتبي : غلط هذا القائل في تشبيه الصامت بالساكت ؛ لأن الأسماء لا تقاس ، وإنما يطلق في كل واحد منهما ما أطلقته اللغة فيه . ومما يبين غلطه أن الله يقول : فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ، فلو كان القارئ مخفيا يسمى صامتا ناصتا ما كان مستمعا ، وإنما يكون مستمعا صامتا إذا صمت فلم يقرأ ؛ فمن أطلق له أن يقرأ والإمام يقرأ فلم يستمع ، ولا أنصت . ومما يدل على غلطه - أيضا - أن العلماء جميعا ينهون المؤتم عن القراءة وإمامه يجهر بالقراءة ، وإنما يأمر من يأمره بالقراءة خلف الإمام أن يقرأ إذا سكت إمامه ، ويأمر هؤلاء الإمام أن يقف ساعة إذا فرغ من قراءته حتى يقرأ المؤتمون ، فلو كانوا يجعلون القارئ في نفسه والإمام يقرأ جهرا صامتا ما أمروه بتأخير القراءة حتى يفرغ إمامه من القراءة ؛ فهذا يبين غلط المستدل بحديث أبي هريرة في استدلاله . ومما يدل على أن المؤتم منهي عن أن يقرأ والإمام يجهر ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى بهم صلاة - فظن أنها الصبح - فلما سلم أقبل على الناس ، قال : « هل يقرأ أحد منكم ؟ ! فقال رجل : أنا ، فقال النبي : « إني أقول : ما لي أنازع القرآن » قال أبو هريرة : فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه النبي « 4 » صلى الله عليه
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : أن . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 2 / 227 ) كتاب الأذان باب ما يقول بعد التكبير ( 744 ) ، ومسلم ( 1 / 419 ) كتاب المساجد : باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة ( 147 / 598 ) ، وأبو داود ( 1 / 205 ) كتاب الصلاة : باب السكتة عند الافتتاح ( 781 ) والنسائي في السنن ( 2 / 129 ) كتاب الافتتاح باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة . ( 4 ) أخرجه أبو داود ( 1 / 218 ) كتاب الصلاة : باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب ( 826 ) ، والترمذي ( 2 / 118 ) أبواب الصلاة ، باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام ( 312 ) ، والنسائي ( 2 / 140 ) ، وأحمد ( 2 / 240 ) ، ومالك في الموطأ ( 1 / 86 - 87 ) .