أبي منصور الماتريدي

121

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والثاني : تشهد على نعم الله إليه فيدعوه إلى الشكر له فيما أنعم [ الله ] « 1 » عليه . وأما الوجه الذي تدعو خلقته فيما بينه وبين الناس : فهو « 2 » ما ترغب نفسه في كل محاسن ومرغوب فيه ، وتنفر نفسه عن كل أذى وسوء ، فأمر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن يعامل الخلق بما ترغب نفسه وتطمع في المحاسن ، وتنفر عنه وتكره ، يفعل إليهم في كل ما ترغب نفسه فيه وتطمع ، ويمتنع عن كل أذى وسوء ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ . قال بعضهم : النزغة هي أدنى أفعال المعصية ؛ وكذلك فسره ابن عباس - رضي الله عنه - يقول : إذا أذنبت ذنبا فاستعذ بالله . وقال القتبي « 3 » : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ أي : يستخفنك ، ويقال : نزغ شيئا : إذا أفسده . وقال أبو عوسجة : النزغ : التحريك للفساد . وقال بعضهم « 4 » : قوله : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي : يوسوسك الشيطان وسوسة فاستعذ بالله . ثم في الاستعاذة وجهان : أحدهما : أمره بالفزع إلى الله عندما يوسوسه الشيطان والالتجاء إليه ؛ لما رأى نفسه عاجزة عن دفع ما يوسوس إليه ، ورد ما يكون ؛ فهو الدافع عنه ذلك وهو الراد . وقال الخليل : أعوذ بالله ، أي : ألجأ إلى الله - تعالى - وكذلك قوله : أستعيذ « 5 » بالله ، ومعاذ الله معناه : أعوذ بالله ، ومنه الإعاذة والتعوذ والتعويذ . وقال غيره : أعوذ بالله ، أي : أمتنع بالله . وقيل : أعوذ بالله ، أي : أتحصن بالله . وقيل : الاستعاذة : هي « 6 » الاستغاثة بالله ؛ لدفع ما اعترض له من الشيطان . وكله قريب بعضه من بعض . ثم الحكمة فيما جعل عدوهم من غير جنسهم من حيث لا يرونه ويراهم وجهان :

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : هو . ( 3 ) ذكره بمعناه ابن جرير ( 6 / 155 ) وكذا الرازي ( 15 / 79 ) . ( 4 ) ذكره البغوي في تفسيره بنحوه ( 2 / 224 ) وكذا أبو حيان في البحر المحيط ( 4 / 445 ) . ( 5 ) في أ : استعذ . ( 6 ) في ب : هو .