أبي منصور الماتريدي

122

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أحدهما : ليكونوا أبدا على التيقظ والانتباه ، غير غافلين عنه . والثاني : ليكونوا أبدا فزعين إلى الله - تعالى - متضرعين إليه ، مبتهلين ؛ ليكون هو الحافظ لهم ، والدافع عنهم شره ووسواسه . وفيما أمر بالفزع إلى الله والاستعاذة به عند نزغ الشيطان نقض على المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : قد أعطاهم جميع ما يدفعون به وساوسه ونزغاته ، حتى لم يبق عنده شيء يعيذه ؛ فعلى قولهم يخرج طلب الإعاذة مخرج كتمان النعمة ، أو مخرج الهزء به ؛ [ أما الهزء به ] « 1 » لأنه يسأله ما يعلم أنه ليس ذلك عنده . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ . وقرئ : طيف من الشيطان ؛ فمن قرأ : « 2 » طيف قال : [ أي ] اللمة [ و ] الخطرة

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائي : طيف ، والباقون طائف بزنة فاعل . ينظر السبعة ( 301 ) ، والحجة ( 4 / 120 ) ، وحجة القراءات ( 305 ) ، وإعراب القراءات ( 1 / 217 ) ، وإتحاف الفضلاء ( 2 / 73 ) . فأما قراءة طيف ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مصدر من طاف يطيف ك : باع يبيع وأنشد أبو عبيدة : أنى ألم بك الخيال يطيف * ومطافه لك ذكرة وشغوف والثاني : أنه مخفف من فيعل والأصل : طيف بتشديد الياء فحذف عين الكلمة ، كقولهم في : ميّت ميت ، وفي ليّن لين ، وفي : هيّن هين . ثم « طيف » الذي هو الأصل يحتمل أن يكون من : طاف يطيف ، أو من : طاف يطوف والأصل : طيوف فقلب وأدغم . وهذا قول ابن الأنباري ويشهد لقول ابن الأنباري قراءة سعيد بن جبير طيف بتشديد الياء . والثالث : أن أصله طوف من طاف يطوف ، فقلبت الواو ياء . قال أبو البقاء : قلبت الواو ياء وإن كانت ساكنة كما قلبت في أيد وهو بعيد . قال شهاب الدين : وقد قالوا أيضا في حول حيل : ، ولكن هذا من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه . وقوله : وإن كانت ساكنة ليس ذا مقتضيا لمنع قلبها ياء ، بل كان ينبغي أن يقال : وإن كان ما قبلها غير مكسور . وأما طائف فاسم فاعل يحتمل أن يكون من : طاف يطوف ، فيكون ك : قائم وقائل . وأن يكون من : طاف يطيف ، فيكون ك : بائع ومائل وزعم بعضهم أن : طيفا وطائفا بمعنى واحد ويعزى للفراء ، فيحتمل أن يرد طائفا ل : طيف فيجعلهما مصدرين ، وقد جاء فاعل مصدرا ، كقولهم : أقائما وقد قعد الناس وأن يرد طيفا ل : طائف أي : فيجعله وصفا على فعل . وقال الفارسي : الطيف كالخطرة ، والطائف كالخاطر ففرق بينهما ، وقال الكسائي الطيف : اللمم ، والطائف : ما طاف حول الإنسان . قال ابن عطية : وكيف هذا ، وقد قال الأعشى : وتصبح من غب السرى وكأنها * ألم بها من طائف الجن أولق قال ابن عادل : ولا أدري ما تعجبه ؟ وكأنه أخذ قوله ما طاف حول الإنسان مقيدا بالإنسان وهذا -