أبي منصور الماتريدي
113
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
إلى أنفس الأزواج « 1 » وأنهن من أنفسهم « 2 » خلقهن ؛ كان قوله : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها كل زوجة وزوج إذا تغشاها وحملت دعا آدم وحواء : لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ إذ جميع الأولاد أولادهما ، يدعون الله في ذلك ليكون صالحا ؛ فمن كان مسلما منهما كان بدعائهما ؛ فعلى هذا التأويل يحصل دعاؤهما لأولادهما الذين يولدون إلى يوم القيامة ؛ لأنهما أب وأم ، وقد يدعو الوالدان لأولادهما « 3 » بالصلاح والخير ؛ على هذا يجوز أن يخرج تأويل الآية ، وأما ما قاله أولئك فهو بعيد محال ، والله أعلم . وقال بعضهم : إن العرب كان إذا ولد لهم أولاد ذكور ينسبون إلى الأصنام التي يعبدونها ويضيفون إليها ؛ تعظيما لها ؛ يقولون : ابن اللات « 4 » ، وابن العزى « 5 » ، وابن المناة « 6 » ، ونحو ذلك ، وكانوا يقتلون البنات ، وكان إذا أصابتهم الشدة يفزعون إلى الله ويتضرعون إليه ؛ كقوله : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ العنكبوت : 65 ] ، وكقوله : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ . . . الآية [ الزمر : 8 ] ، وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ . . . الآية [ لقمان : 32 ] ، فلما ذهب ذلك عنهم وانجلى عادوا إلى ما كانوا من قبل ؛ كقوله : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ [ العنكبوت : 65 ] ، وقوله : ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ . . . الآية [ الزمر : 8 ] ، فإذا كان من عادة العرب ما ذكرنا ، كان إذا حملت زوجة منهم وثقل ما في بطنها ، جعلا يدعوان الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ذكرا وسلمت من الولادة لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً يعني : ذكرا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ
--> ( 1 ) في أ : نفس الزوج . ( 2 ) في أ : أنفسهن . ( 3 ) في أ : لأولاهما . ( 4 ) واللات بالطائف ، وهي أحدث من مناة . وكانت صخرة مربعة . وكان يهودي يلت عندها السويق . وكان سدنتها من ثقيف بني عتاب بن مالك . وكانوا قد بنوا عليها بناء . وكانت قريش وجميع العرب تعظمها . وبها كانت العرب تسمى ( زيد اللات ) و ( تيم اللات ) . وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى . وهي التي ذكرها الله في القرآن فقال : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [ النجم : 19 ] ينظر : الأصنام ص ( 16 ) . ( 5 ) وهي أحدث من اللات ومناة ، وكانت أعظم الأصنام عند قريش . وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح . ينظر : الأصنام ص ( 17 ، 18 ) . ( 6 ) أقدم هذه الأصنام مناة . وقد كانت العرب تسمى ( عبد مناة ) و ( زيد مناة ) . وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد ، بين المدينة ومكة . وكانت العرب جميعا تعظمه وتذبح حوله . وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون له . ينظر : الأصنام ص ( 13 ) .