أبي منصور الماتريدي
112
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أثقلت أتاها « 1 » فقال : كيف تجدينك ؟ قالت : إني لأخاف أن يكون الذي ذكرت ، ما أستطيع القيام إذا قعدت إلا بجهد ، قال : أفرأيت « 2 » إن دعوت الله يجعله إنسانا مثلك ومثل آدم أتسمينه بي ؟ قالت : نعم ، فانصرف عنها ، وقالت لآدم : لقد أتاني آت فخوفني بكذا ، وإني لأخاف مما ذكر ، فدعوا الله في ذلك بقوله : دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً ، يقول : جعلته إنسانا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، فكان هذا دعاؤهما قبل أن تلد ، فلما ولدت أتاها « 3 » إبليس وقال : ألا تسمينه بي كما وعدتني ، قالت : نعم ، ما اسمك ؟ قال : اسمي الحارث ، فسمته : عبد الحارث « 4 » ؛ فذلك قوله : فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ؛ على هذا حمل أهل التأويل الآية [ و ] « 5 » إلى آدم وحواء صرفوها ، وذلك وخش « 6 » من القول ، قبيح في آدم وحواء ذلك ، ولو ثبت ما قالوا : إنهما سميا ولدهما باسمه ونسباه إليه ، لم يكن في ذلك إشراك ؛ إذ لو كان في مثله إشراك لكان فيما أضاف العبيد والمماليك إلى الخلق إشراك في ألوهيته « 7 » . ثم التأويل عندنا على غير ما ذهبوا إليه - والله أعلم - وهو أن قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني : من آدم ، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها : حواء ، أي « 8 » : خلق الذكور كلهم من آدم ، وخلق الإناث كلهن من حوّاء ؛ كقوله : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [ الروم : 21 ] أخبر أن الأزواج خلقهن من نفس الأزواج ، فلما أضاف الزوجات
--> ( 1 ) في ب : قال . ( 2 ) في ب : أرأيت . ( 3 ) في أ : أتاهما . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 143 ) ( 15522 ) عن سعيد بن جبير ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 277 ) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن سعيد بن جبير . ( 5 ) سقط في أ . ( 6 ) الوخش : الرديء من كل شيء ، وقد وخش وخاشة . قال الليث : الوخش : رذال الناس وسقاطهم وصغارهم ، يكون للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ، يقال : رجل وخش ، وامرأة وخش ، وقوم وخش ، وقد يثنى ؛ أنشد الجوهري للكميت : تلقى الندى ومخلدا حليفين * ليسا من الوكس ولا بوخشين قال ابن سيده : وربما جاء مؤنثة بالهاء ، وأنشد ابن الأعرابي : وقد لفّفا خشناء ليست بوخشة * تواري سماء البيت مشرفة القتر وقد يقال في الجمع : أوخاش ووخاش ، يقال : جاءني أوخاش من الناس ، أي : سقاطهم ، وأما وخاش - بالكسر - فإنها جمع « وخشة » . ينظر : تاج العروس ( 17 / 446 ، 447 ) واللسان ( وخش ) و ( خشن ) ، والصحاح ( وخش ) . ( 7 ) في أ : ألوهية . ( 8 ) في ب : أن .