أبي منصور الماتريدي
109
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وعلى قول بعضهم : الحفي : الخبير العالم ، وقالوا : هو المشرف المكرم البار الذي لا يستخفي منه شيء ولا يلبس عليه . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا . قال بعض أهل التأويل « 1 » : قوله : لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا : الهدى والضلالة . وقال قائلون من أهل التأويل « 2 » : لا أملك جرّ النفع إلى نفسي ولا دفع الضر عنها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ، أي : إلا إن أقدرني الله على ذلك فأملك ذلك . ويشبه أن يكون قوله : لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا قال ذلك ؛ لئلا يتخذوه معبودا ، لا ينسبوه إلى الله بالذي لا يليق النسبة به [ نحو ] « 3 » ما قالت النصارى : الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [ التوبة : 30 ] ، وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [ التوبة : 30 ] ، وقال مشركو العرب : الملائكة بنات الله ؛ لعظيم ما وقع عندهم من محل هؤلاء وقدرهم ، فقال : لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا ؛ لئلا ينسبوه إلى الله من الوجه الذي نسب أولئك ، أظهر من نفسه العجز والعبادة ، وهو ما قال عيسى [ صلوات الله عليه حيث قال ] « 4 » : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ . . . الآية [ مريم : 30 ] . وقال ابن عباس « 5 » في قوله : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا : وذلك أن أهل مكة قالوا : ألا « 6 » يخبرك ربك يا محمد بالتجارة المربحة فتتجر فيها فتربح ، أو لا يخبرك بسنة القحط والجدوبة ، أو يخبرك بوقت السعة والخصب ؟ ! فقال عند ذلك : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ من جدوبة الأرض والقحط ؛ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [ يقول : لتهيأت لذلك وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ من الضر والشدة ؛ إلى هذا ذهب عامة أهل التأويل . وقالوا في قوله : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ قال بعضهم : لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ومن العمل الصالح ] « 7 » . [ ولكن الوجه فيه غير ما ذهبوا إليه ؛ لأنه إن كان لا يعلم متى يموت ؟ لا يستكثر من
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 141 ) ( 15505 ، 15506 ) عن مجاهد ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 276 ) وعزاه لأبي الشيخ عن مجاهد . ( 2 ) ذكره ابن جرير ( 6 / 140 ) والرازي في تفسيره ( 15 / 69 ) . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 276 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن عباس ، وكذا الرازي في تفسيره ( 15 / 68 ) . ( 6 ) في أ : لا . ( 7 ) سقط في أ .