أبي منصور الماتريدي
110
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الخير ومن العمل الصالح ] « 1 » ، أو لو كان يعلم الغيب لاستكثر المال على ما قال بعضهم ؛ هذا بعيد . ولكن التأويل - والله أعلم - أن يجعل قوله : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي : لا أعلم لكم نفعا ولا ضرّا ، ولو كنت أعلم لكم الغيب لاستكثرت من الخير عند الله ، أي : لو كنت أعلم لكم ذلك لصدقتموني وآمنتم بي [ و ] لاستكثرت من الخير عند الله بإيمانكم بالله وتصديقكم إياي . أو أن يقال : لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرّا ، ولو كنت أملك لكم ذلك لاستكثرت من الخير ؛ لأنكم إذا رأيتموني أملك نفع ما غاب عنكم ودفع ضر ما غاب ، لآمنتم بي وصدقتموني ، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيرا كثيرا ، يجعل قوله : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ جواب ما تقدم من الكلام ، والله أعلم . وقال بعضهم : قوله : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي : لا أعلم الغيب إلا قدر ما أوحي « 2 » إلى لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ . وقال بعضهم : لا أعلم الغيب قبل أن يوحى إلي ، ولو كنت أعلم ذلك لاستكثرت من الخير بذلك . وحاصل التأويل في قوله : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ : ما ذكرنا بتصديقكم إياي وإيمانكم بي ، أو ما ذكرنا من السعة والخصب في الدنيا لأهله ولأصحابه ، أو ما ذكرنا ، أي : لو كنت أملك لكم نفع ما غاب عنكم ودفع ضرر ما غاب - أيضا - لآمنتم بي وصدقتموني ، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيرا كثيرا . وجائز أن يكون قوله : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ أي : لو كنت أعلم من المصدق ومن المكذب لاستكثرت من الخير ؛ لأنه لا يشتغل بمن يعلم أنه يرد ولا يجيب ، وإنما يشتغل بمن يعلم منه أنه يجيب ولا يكذب ، فيستكثر أتباعه والمطيعين لله . وقال بعضهم : وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ هو صلة قوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ [ الأعراف : 184 ] كانوا يقولون : إن به جنونا ، فقال : وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ من النسبة إلى الجنون ، ويقول : ما مسني السوء منكم : سوء ردّ وتكذيب ؛ لأنه لو علم « 3 » الذي يجيبه ويصدقه من الذي لا يجيبه ولا يصدقه ، لم يمسه سوء من الرد والأذى ؛ لأنه لا يشتغل به
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : يوحي . ( 3 ) زاد في أ : من .