أبي منصور الماتريدي

181

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وبعثهم بعد إماتتهم وإفنائهم ، وإن لم يبق لهم أثر ؛ كما قدر على هذا ، يعرفهم قدرته أنها غير مقدرة بقدرة الخلق وبقوتهم ، بل خارجة عن قوتهم ؛ لأن قوته وقدرته ذاتية أزلية بلا سبب ، وقوتهم وقدرتهم بأسباب ؛ وكذلك ما يشق من الورق الضعيف اللين الشجر والنخل مع شدته وصلابته ، ما لو اجتمع الخلائق كلهم على شق ذلك الشجر بذلك الورق مع لينه ما قدروا عليه ، يعرفهم لطفه وقدرته أنه لا يعجزه شيء . وفيه أن ذلك فعل واحد ؛ لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أراد هذا شقه منع الآخر عن ذلك . وفيه أنه على تدبير خرج لا جزافا ؛ حيث اتفق ذلك في كل عام على قدر واحد . وقوله - عزّ وجل - : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ . إن الحب والنوى التي ذكر ميت ، فيخرج منهما « 1 » النبات الأخضر حيّا ، ثم يميت ذلك ويخرج منه حبا ونوى . وفيه دلالة البعث بعد الموت ؛ يقول : إن الذي قدر على إخراج النبات الأخضر الحي من حبة ميتة أو نواة ميتة ، وليس فيها من أثر ذلك الحي شيء - لقادر أن يبعثهم ويحييهم بعد الموت ، وإن لم يبق من أثر الحياة شيء ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي : ذلكم الذي يفعل ذلك هو الله - تعالى - لا الأصنام التي تعبدونها وأشركتم في عبادتكم لله وألوهيته [ أي ] « 2 » ، أيّ حجة تصرفكم عما ذكر ؟ أي : لا حجة لكم في صرف الألوهية عنه إلى غيره ، ولا صرف العبادة إلى الأصنام . وقوله - عزّ وجل - : فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ . قيل « 3 » : فأني تصرفون عما ذكر من دلالات وحدانيته وألوهيته وربوبيته . والإفك : هو الصرف في اللغة « 4 » ؛ كقوله : قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا [ الأحقاف 22 ]

--> ( 1 ) في أ : منها . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 61 ) وعزاه لابن أبي حاتم عن الحسن . ( 4 ) الإفك : صرف الشيء عما يحق أن يكون عليه . قال تعالى : فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [ الأنعام : 95 ] أي : تصرفون عن وجه الصواب . ومنه قيل للرياح العادلة عن مهابها : مؤتفكات أي مصروفات عن مهابها . وقال الشاعر : إن تك عن أحسن المروءة مأ * فوكا ففي آخرين قد أفكوا ورجل مأفوك أي مصروف العقل ، وقوله : يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [ الذاريات : 9 ] أي يصرف عن الحق من صرف في سابق علم الله تعالى . ينظر عمدة الحفاظ ( 1 / 107 ) .