أبي منصور الماتريدي
152
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يجعلون المشيئة في ذلك إلى أنفسهم دون الله ، والله أخبر أنه يرفع درجات من يشاء وهم يقولون : لا يقدر أن يرفع ، بل هم يملكون أن يرفعوا درجات أنفسهم ؛ فدلت الآية على أن من نال درجة أو فضيلة إنما ينال بفضل الله ومنّه . ثم قوله : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ : تحتمل الدرجات وجوها . تحتمل : النبوة ، وتحتمل : الدرجات في الآخرة أن يرفع لهم . وتحتمل : الذكر والشرف في الدنيا لما يذكرون في الملأ من الخلق . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . أي : حكيم في خلق الخلائق ، خلق خلقا يدل على وحدانيته ، ويدل على أنه مدبر ليس بمبطل في خلقهم ، ثم عليم بأعمالهم وعليم بمصالح الخلق وبما يصلح لهم ، [ وبما لا يصلح ] « 1 » والحكيم : هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 84 إلى 87 ] وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 84 ) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 85 ) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ( 86 ) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 87 ) قوله - عزّ وجل - : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ . يحتمل ما ذكرنا من رفع الدرجات ما ذكر من [ هبة ] « 2 » هؤلاء . وفيه دليل أن ما يكون له من الفضل في هبة « 3 » أولاده يكون ذلك في أولاد أولاده .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : هيبة . ( 3 ) الهبة لغة مأخوذة من وهب يقال : وهب يهب وهبا وهبة ، والاسم : الموهب والموهبة ، ولا يقال وهبكه ، هذا قول سيبويه وحكى السيرافي عن أبي عمرو أنه سمع أعرابيا يقول لآخر : انطلق معي أهبك نبلا . ووهبت له هبة وموهبة ووهبا إذا أعطيته ، ووهب الله له الشيء ، فهو يهب هبة ، وتواهب الناس بينهم ، أي يهب بعضهم بعضا ، وهي في الأصل مصدر محذوف الأول عوض عنه هاء التأنيث ، فأصلها : وهب بتسكين الهاء وتحريكها . ومما تقدم من اشتقاق للفظ الهبة ، يتبين لي أنها تطلق في اللغة على التبرع والتفضل بما ينفع الموهوب له مطلقا على سواء أكان مالا أو غير مال . فالهبة : العطية الخالية عن الأعواض والأغراض ، فإذا كثرت سمي صاحبها وهابا . واصطلاحا : عرفها الأحناف بأنها : تمليك بلا عوض . وعرفها الشافعية بأنها : التمليك بلا عوض . وعرفها المالكية بأنها : تمليك متمول بغير عوض .