أبي منصور الماتريدي
136
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والثاني : قال به جماعة أهل الكلام ، ونحن نتبرأ إلى الله أن نجعله رجلا بالغا جرى عليه القلم ، وهو كان - عن الله - بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى نجم أو قمر أو شمس ، مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن ، والأفول « 1 » بعد الوجود ، ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء ، ومن له يعمل في راحة وسرور ، ثم لا يرى في شيء من العالم أو له معنى يدل على رجوع التدبير إليه ، فيتحقق له القول بذلك ، والله يصفه بقوله : إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الصافات : 84 ] قيل « 2 » : سليم من الشرك لم يشبه بشيء ، وقال : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [ الأنعام : 83 ] وما يذكرونه إنما آتاه على نفسه إذ هو في الغفلة عنها ، والجهل بمن له الآيات شريك قومه ، وقد قال - أيضا - : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، ومعلوم أن ذلك على معاينته أو أنه قد أرى كلا منهما ، ولكن على ما بينت من الوجهين وفيهما حقيقة ذلك . وليس في قوله : وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ دلالة الشك في الابتداء ، أو الجهل في الحال التي يحتمل العلم به [ فسمى به ] « 3 » عزّ وجل ، ولكن على أنه على ذلك الوجه يكون الإيقان ممن لا يقع عليه الحواس ، ولا يوجب علمه الضرورات ، إنما هو الاستدلال بالآثار أو تلقى الأخبار ، ولا قوة إلا بالله « 4 » .
--> ( 1 ) في أ : الأقوال . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 10 / 499 ، 500 ) ( 29432 ) عن قتادة و ( 29433 ) عن السدي ، وذكره السيوطي في الدر ( 5 / 525 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) قال الحافظ ابن كثير : اختلف المفسرون في هذا المقام ، هل هو مقام نظر أو مناظرة ؟ فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر . واختاره ابن جرير مستدلا عليه بقوله : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي . . . الآية [ الأنعام : 77 ] . وقال محمد بن إسحاق : قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه ، حين تخوفت عليه من نمروذ بن كنعان ، لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه ، فأمر بقتل الغلمان عامئذ . فلما حملت أم إبراهيم به ، وحان وضعها ، ذهبت إلى سرب ، ظاهر البلدة ، فولدت فيه إبراهيم ، وتركته هناك . وذكر أشياء من خوارق العادات ، كما ذكرها غيره من المفسرين . ثم قال ابن كثير : والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظرا لقومه ، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام ، فبين في المقام الأول مع أبيه ، خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صورة الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه ، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ، ليشفعوا لهم عنده في الرزق ، وغير ذلك مما يحتاجون إليه . وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل ، وهي الكواكب السيارة السبعة . وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس ثم القمر ثم الزهرة . فبين أولا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية ، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين لا تزيغ عنه ، ولا تملك لنفسها تصرفا ، بل هي جرم من الأجرام ، خلقها الله -