أبي منصور الماتريدي

137

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وذلك كقوله : اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [ الرعد : 2 ] لا عن وضع كان ، وقوله : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] لا أن كانوا من قبل في الظلمات ، وقول يوسف - عليه السلام - : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ يوسف : 37 ] لا عن كونه فيها ؛ وهكذا أمر الإيقان : أن يكون العبد في كل وقت موقنا بالله « 1 » ، وأن لا إله غيره ، لا عن شك فيما تقدمه من الوقت أو الجهل ، فمثله أمر إبراهيم ، عليه السلام . والوجه الثاني - مما تكلم في التأويل « 2 » : أن يكون إبراهيم - عليه السلام - كان مؤمنا في ذلك الوقت ، عارفا بربه حق المعرفة ، ولكنه كلم قومه كلام مستدرج بإظهار المتابعة لهم على هواهم ؛ فيكونون به أوثق وإليه أميل ، وذلك أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة ، فيبين لهم ما أراد من غير جهة النقض « 3 » والعناد ، فبدأ بتعظيم ما عظموه ؛ إذ هم

--> - منيرة ؛ لما له في ذلك من الحكم العظيمة ، وهي تطلع من المشرق ، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب ، حتى تغيب عن الأبصار فيه ، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال . وهذه لا تصلح للإلهية . ثم بين في القمر ما بين في النجم ، ثم الشمس كذلك . فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار ، وتحقق ذلك بالدليل القاطع ، تبرأ من عبادتهن وموالاتهن ، وأخبر بأنه يعبد خالقهن ومسخرهن . ثم قال ابن كثير : وكيف يجوز أن يكون ناظرا في هذا المقام ، وهو الذي قال الله في حقه وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ [ الأنبياء : 51 - 52 ] وقال تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النحل : 120 - 121 ] . وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : كل مولود يولد على الفطرة . وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : قال الله تعالى : « إني خلقت عبادي حنفاء » ، وقال تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الروم : 30 ] وقال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] . ومعناه على أحد القولين ، كقوله : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها . فإذا كان هذا في حق سائر الخليفة ، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ النحل : 120 ] ناظرا في هذا المقام ؟ بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة ، والسجية المستقيمة ، بعد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، بلا شك ولا ريب . ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا ، قوله تعالى : وَحاجَّهُ . . . [ الأنعام : 80 ] الآية . انتهى . وممن جود هذا المبحث الجليل ، وبين أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان مناظرا لقومه ، العلامة الشهرستاني في كتابه الملل والنحل . ينظر محاسن التأويل ( 6 / 593 - 596 ) . ( 1 ) زاد في ب : ولله . ( 2 ) ينظر ما تقدم . ( 3 ) في ب : التنقص .