أبي منصور الماتريدي
127
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قد ذكرنا أن قوله : كُنْ هو أوجز كلام في لسان العرب يعبر به فيفهم منه ، لا أن كان من الله كاف أو نون ، لكنه ذكر - والله أعلم - ليعلموا « 1 » أن ليس على الله في الإحياء والإنشاء بعد الموت مئونة ؛ كما لم يكن على الخلق في التكلم « 2 » ب « كن » مئونة ، ولا يصعب عليهم ذلك ؛ فعلى ذلك ليس على الله في البعث بعد الموت مئونة ولا صعوبة . والثاني : ذكر هذا لسرعة نفاذ البعث ؛ كقوله : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [ لقمان : 28 ] أخبر أن خلقهم وبعثهم ليس إلا كخلق نفس واحدة ، وبعث نفس واحدة ؛ وكقوله : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [ النحل : 77 ] يخبر لسرعة نفاذ الساعة وبعثهم ، وذلك أن الرجل قد يلمح البصر وهو لا يشعر به ؛ فعلى ذلك القيامة قد تقوم وهم لا يشعرون . والثالث : يذكر هذا - والله أعلم - أن البعث بعد الموت والإحياء إعادة ، وإعادة الشيء عندكم أهون من ابتداء إنشائه ؛ وعلى ذلك يخرج قوله : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] أي : هو أهون عليه عندكم . وقوله - عزّ وجل - : قَوْلُهُ الْحَقُّ . يحتمل : قَوْلُهُ الْحَقُّ ، أي : البعث بعد الموت حق على ما أخبر . ويحتمل : قَوْلُهُ الْحَقُّ ، أي : ذلك القول منه حق يكون كما ذكر . وقوله - عزّ وجل - : وَلَهُ الْمُلْكُ [ أي ] « 3 » : ملك ذلك اليوم ؛ كقوله : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] ؛ وكقوله : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الحج : 56 ] ذكر هذا - والله أعلم - لما لا ينازعه أحد في ملك ذلك اليوم ، وقد نازعه الجبابرة في الملك في الدنيا ، وإن لم يكن لهم ملك ولا ألوهية . ويحتمل قوله : وَلَهُ الْمُلْكُ ، أي : ملك جميع الملوك له في الحقيقة ؛ كقوله : مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] . وقوله - عزّ وجل - : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ : قال بعضهم : النفخ : هو الروح ، والروح من الريح ، والروح إنما تدخل بالنفخ فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [ التحريم : 12 ] . وقال بعضهم : لا يكون هناك « 4 » في الحقيقة نفخ ، ولكن يذكر لسرعة نفاذ الساعة ؛ لأن
--> ( 1 ) في ب : ليعرفوا . ( 2 ) في ب : الكلمة . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : هنالك .