أبي منصور الماتريدي
121
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
عَبَثاً . . . الآية [ المؤمنون : 115 ] صير عدم الرجوع إليه عبثا . وقوله : وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا . أي : شغلهم ما اختاروا من الحياة الدنيا والميل إليها عن النظر في الآيات والبراهين والحجج . أو أن يكون قوله : وَغَرَّتْهُمُ ، أي : اغتروا بالحياة الدنيا ؛ أضاف التغرير إلى الحياة الدنيا [ لما بها ] « 1 » اغتروا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ . قيل : وذكر به قبل أن تبسل نفس بما كسبت ، وإنما يذكرهم بهذا لئلا يقولوا غدا : إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ [ الأعراف : 172 ] . وأصل الإبسال « 2 » : الإهلاك ، أو الإسلام للجناية والهلاك . ثم اختلف في قوله : أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ : عن ابن عباس « 3 » قال : أن تفضح نفس بما كسبت . وقيل « 4 » : تبسل : تؤخذ وتحبس ؛ وهو قول قتادة ؛ وكذلك قال في قوله : أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا ، أي : حبسوا بما كسبوا . وعن ابن عباس « 5 » - رضي الله عنه - : أُبْسِلُوا أي : فضحوا ؛ على ما قال في
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) البسل : منع الشيء وانضمامه . ولدلالته على المنع قيل للمحرم والمرتهن : المبسل . ومنه قوله تعالى : أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ [ الأنعام : 70 ] أي تمنع الثواب أو هي مرتهنة بكسبها . ومنه قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ المدثر : 38 ] . وقيل : ( تبسل ) نفس أي تسلم للهلكة . والمستبسل : الذي يقع في مكروه ولا مخلص له منه . وأبسل فلان بجريرته أي أسلم للتهلكة وقوله : أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا [ الأنعام : 70 ] يحتمل كل ذلك ، ولتضمنه معنى الانضمام استعير لتقطيب الوجه ، فقيل : شجاع باسل أي كريه الوجه مقطبه . وأسد باسل من ذلك . والبسل وإن كان بمعنى الحرام إلا أنه أخص من الحرام ؛ لأن الحرام يقال في الممنوع بقهر وبغيره ، والبسل لا يقال إلا في الممنوع بقهر ، وقيل للشجاعة البسالة إما لأن الشجاع يوصف وجهه بالعبوس ، وإما لكونه محرما على أقرانه لشجاعته ، وإما لأنه وضع ما تحت يده من أعدائه . ينظر عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ ( 1 / 216 - 217 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 229 ) ( 13418 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 39 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 229 ) ( 13415 ، 13416 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 40 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 231 ) ( 13424 ) . وذكره السيوطي بمعناه في الدر ( 3 / 39 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم .