أبي منصور الماتريدي

120

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . يحتمل النهي عن القعود معهم وجهين . [ أحدهما ] : نهى هؤلاء عن القعود معهم لما كان أهل النفاق يجالسونهم ، ويستهزءون بالآيات ويكفرون بها ، فنهى هؤلاء عن ذلك ؛ ليرتدع أهل النفاق عن مجالستهم . والثاني : أنه نهى المؤمنين عن مجالستهم ؛ ليمتنعوا عن صنيعهم حياء منهم ؛ لأنهم لو امتنعوا عن مجالستهم فيمنعهم ذلك عن الاستهزاء بها والكفر بها ، لما كانوا يرغبون في مجالسة المؤمنين ، فيتذكرون عند قيامهم عنهم ، فيتقون الخوض والاستهزاء ، ولا يخافون أن يعرفوا في الناس بترك مجالستهم المؤمنين ، فيحملهم ذلك على الكف عن الاستهزاء بالآيات وبرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم . وقوله - عزّ وجل - : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً أي : وذر الذين اتخذوا لعبا ولهوا دينا ؛ على التقديم والتأخير « 1 » . والثاني « 2 » : اتخذوا اللعب واللهو دينهم ؛ حتى لا يفارقوا اللعب واللهو ؛ لأن الدين إنما يتخذ للأبد ، فعلى ذلك اتخذ أولئك اللعب واللهو للأبد كالدين . ثم هو يخرج على وجوه : أحدها : اتخذوا دينهم عبادة ما لا ينفع ولا يضر ، ولا يبصر ولا يسمع ولا يعلم ، ومن عبد من « 3 » هذا وصفه ، واتخذ ذلك دينا - فهو عابث لاعب . والثاني : اتخذوا دينهم ما هوته أنفسهم ، ودعتهم الشياطين إليه ، ومن اتخذ دينه بهوى نفسه ، وما دعته نفسه إليه - فهو عابث لاعب . والثالث : صار دينهم لعبا وعبثا ؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ، ومن لم يقصد بدينه الذي دان به عاقبة فهو عابث مبطل ؛ كقوله - تعالى - : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ

--> ( 1 ) التقديم : من قدم الشيء أي وضعه أمام غيره ، والتأخير نقيض ذلك . وقد عرف الزركشي التقديم والتأخير في كتابه ( البرهان في علوم القرآن ) فقال : ( هو أحد أساليب البلاغة ، فإنهم أتوا به دلالة على تمكنهم في الفصاحة وملكتهم في الكلام وانقياده لهم ، وله في القلوب أحسن موقع وأعذب مذاق ) . واختلف علماء البلاغة في هذا الفن البلاغي ، فمنهم من عده من المجاز ؛ لأنه تقديم ما رتبته التأخير كالمفعول ، وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل . ولكن خالفهم الزركشي فقال : ( والصحيح أنه ليس منه ، فإن المجاز نقل ما وضع له إلى ما لم يوضع ) . ينظر المعجم المفصل في علوم البلاغة ص ( 411 ، 412 ) . ( 2 ) في ب : الثاني . ( 3 ) في أ . عندهن .