أبي منصور الماتريدي

112

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بعض « 1 » . أما لبس الشيع : هي الأهواء المختلفة ، وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ هو السيف والقتل ، هذان قد كانا في المسلمين ، وبقي ثنتان لا بد واقعتان « 2 » . ومنهم من يقول : كان ثنتان في المشركين من أهل الكتاب ، وثنتان في أهل الإسلام ،

--> ( 1 ) ذكره الخازن في تفسيره ( 2 / 391 ) ، وأبو حيان في البحر المحيط ( 4 / 155 ) وأخرجه ابن جرير ( 5 / 220 ) ( 13364 ) عن أبي العالية . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 32 ) وعزاه لابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، وأبي نعيم في الحلية من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب . ( 2 ) روى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ [ الأنعام : 65 ] قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : أعوذ بوجهك ! أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [ الأنعام : 65 ] قال : أعوذ بوجهك ! أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [ الأنعام : 65 ] قال : هذا أهون ، أو هذا أيسر . قال الحافظ ابن حجر : وقد روى ابن مردويه من حديث ابن عباس ما يفسر به حديث جابر ، ولفظه : عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعا ، فرفع عنهم ثنتين ، وأبي أن يرفع عنهم اثنتين : دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض ، وألا يلبسهم شيعا ، ولا يذيق بعضهم بأس بعض ؛ فرفع الله عنهم الخسف والرجم ، وأبي أن يرفع عنهم الأخريين . فيستفاد من هذه الرواية المراد بقوله : مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [ الأنعام : 65 ] ، ويستأنس له أيضا بقوله تعالى : أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ [ الإسراء : 68 ] . وروى الإمام مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه أقبل مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ذات يوم من العالية ، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية ، دخل فركع فيه ركعتين ، وصلينا معه ، ودعا ربه طويلا ، ثم انصرف إلينا فقال : سألت ربي ثلاثا ، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة . سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة ، فأعطانيها . وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق ، فأعطانيها . وسألت ربي ألا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعنيها . وروى الإمام أحمد من حديث أبي بصرة نحوه ، لكن قال بدل الإهلاك : ألا يجمعهم على ضلالة . وكذا الطبري من مرسل الحسن . قال الخفاجي : فإن قلت : كيف أجيبت الدعوتان ، وسيكون خسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب ؟ أي : كما رواه الترمذي وغيره ؟ قلت : الممنوع خسف مستأصل لهم . وأما عدم إجابته في بأسهم ، فبذنوب منهم ، ولأنهم بعد تبليغه صلّى اللّه عليه وسلم ونصيحته لهم ، لم يعملوا بقوله . انتهى . وقد روى أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص قال : سئل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عن هذه الآية : قُلْ هُوَ الْقادِرُ . . . ، فقال : أما إنها كائنة ، ولم يأت تأويلها بعد . قال الحافظ ابن حجر : وهذا يحتمل ألا يخالف حديث جابر ، بأن المراد بتأويلها ما يتعلق بالفتن ونحوها . انتهى . أي : مما ستصدق عليها الآية ، ولما تقع بالمسلمين . فقوله : إنها كائنة ، أي : في المسلمين ، لا أنها خطاب لهم ونزوله فيهم - كما وهم - إذ يدفعه السياق والسباق وتتمة الآية كما لا يخفى . ينظر محاسن التأويل للقاسمي ( 6 / 572 - 574 ) .