أبي منصور الماتريدي
104
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بالليل ، بل يعلم ما يكون منا بالليل والنهار جميعا ، وليس فيه أنه لا يتوفانا بالنهار وألا نجرح بالليل ، لكنه ذكر الجرح بالنهار والوفاة بالليل ؛ [ لما أن الغالب أن يكون النوم بالليل والجرح بالنهار ؛ فهو كقوله - تعالى : وَالنَّهارَ مُبْصِراً [ يونس : 67 ] ليس ألا يبصر بالليل ، لكن ذكر النهار ] « 1 » لما أن الغالب مما يبصر إنما « 2 » يكون بالنهار ؛ فعلى ذلك الأول . ثم فيه دلالة أن النائم غير مخاطب في حال نومه « 3 » ؛ حيث ذكر الوعيد فيما يجرحون « 4 » بالنهار ولم يذكر بالليل . وقوله - عزّ وجل - : وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ . قال بعضهم « 5 » : جرحتم ، أي : أثمتم بالنهار . وقيل « 6 » : يعلم ما كسبتم بالنهار . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ . يستدل بقوله : يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ على الإحياء بعد الموت ؛ لأنه يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها من غير أن يبقى لها أثر ، فكيف تنكرون البعث بعد الموت وإن لم يبق من أثر الحياة [ شيء ] « 7 » ؟ ! ثم القول في الجمع بعد التفرق مما الخلق يفعل ذلك ويقدر عليه ؛ نحو ما يجمع من التراب المتفرق فيجعله « 8 » طينا ، ورفع البناء من مكان ، ووضعه في مكان آخر ، وغير ذلك من جمع بعض إلى بعض ، وتركيب بعض على بعض ؛ فدل أن الأعجوبة في ردّ ما ذهب كله حتى لم يبق له أثر ، لا في جمع ما تفرق ، والله أعلم .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : أن . ( 3 ) ويؤيده قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « رفع القلم عن ثلاثة . . . والنائم حتى يستيقظ » رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر . وقوله « رفع القلم عن ثلاثة » كناية عن عدم التكليف وعبر بلفظ الرفع إشعارا بأن التكليف لازم لبني آدم إلا لثلاثة وأن صفة الرفع لا تنفك عن غيرهم ، ينظر فيض القدير للمناوي ( 4 / 35 ) . ( 4 ) في أ : يخرجون . ( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 212 ) ( 13312 ) عن السدي بنحوه ( 13313 ) عن ابن عباس ( 13316 ) عن قتادة وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 30 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس . ( 6 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 212 ) ( 13317 ) عن مجاهد وبمثله عن قتادة ( 13314 ) وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 30 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة بنحوه . ( 7 ) سقط في أ . ( 8 ) في ب : فتجعله .