أبي منصور الماتريدي
9
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مسلما تقيّا برّا بكافر ، إذ الإسلام يطهره . ولم يقتل مسلما فاسقا ارتكب الكبيرة بالكافر ، إذ القتل يفسقه . والمسلم أحق أن يقتل بالكافر من الكافر بالمسلم . وذلك أن المسلم هتك حرمة الإسلام بقتل الكافر ؛ لأنه اعتقد باعتقاد دين الإسلام حرمة دم الذمي ، وهو بقتله كمستخف بمذهبه . وأما الذمي فإنه لا يعتقد باعتقاد مذهبه حرمة دماء أهل الإسلام ، فهو ليس بقتل المسلم كمستخف بمذهبه ، والمسلم كمستخف بدينه « 1 » ، على ما ذكرنا . لذلك كان أحق بالقصاص من الكافر . ألا ترى أن من قتل في الحرم قتل به ؛ لأنه هتك حرمة الحرم كالمستخف به . وإذا قتل خارجا منه ، ثم التجأ إليه ، لم يقتل به حتى يخرج منه ؛ لأنه ليس كمستخف له ، والأول مستخف ؛ لذلك افترقا . فكذلك الأول . والله أعلم . والخبر عندنا يحتمل وجهين : أحدهما : قيل : إن قوما قتل بعضهم بعضا في الجاهلية ، فأسلم بعضهم ، فأراد أولئك أن يأخذوا من أسلم منهم بالقصاص ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يقتل مسلم بكافر » ، كما قال : « كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هذا » « 2 » . والثاني : أنه أراد بالكافر المستأمن ؛ لأنه قال : « لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده » . فنسق قوله : « ذو عهد » على المسلم ، فكان معناه : لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد به . فكل كافر لا يقتل به ذو عهد في عهده لم يقتل به المسلم . فالذمي يقتل به ذو العهد ، لذلك يقتل به المسلم . والمسلم إذا قتل مستأمنا لم يقتل به . وكذلك الذمي . فدل
--> ( 1 ) في ب : بمذهبه . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 4 / 711 ) كتاب : الديات ، باب : في دية الخطأ شبه العمد ، حديث ( 4588 ) ، وابن ماجة ( 2 / 877 ) كتاب : الديات ، باب : دية شبه العمد ، حديث ( 2627 ) ، والنسائي ( 8 / 41 ) كتاب : القسامة ، باب : دية شبه العمد ، وابن الجارود في المنتقى رقم ( 773 ) . والبخاري في التاريخ الكبير ( 6 / 434 ) ، والدار قطني ( 3 / 104 ) كتاب : الحدود والديات وغيره ، حديث ( 78 ) ، وابن حبان ( 1526 - موارد ) ، والبيهقي ( 8 / 44 ) كتاب : الجنايات ، باب : دية شبه العمد ، كلهم من طريق خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تعد وتدعى من دم أو مال تحت قدمي إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت » ، ثم قال : « ألا إن دية الخطأ ما كان بالسوط أو العصا مائة من الإبل ، منها أربعون في بطونها أولادها » ، صححه ابن حبان . قلت : وأصله في صحيح مسلم ( 147 / 1218 ) عن جابر بن عبد الله في سياق طويل .