أبي منصور الماتريدي

10

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بما ذكرنا أنه أراد بالكافر المستأمن ، لا الذمي . والله أعلم . وقوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ . اختلف في تأويله : قال بعضهم : هو القاتل . إذا عفى له : معناه : عنه . فيتبع الولي بأخذ الدية بالمعروف ، شاء القاتل أو أبى . احتج بما روى عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في رجل اختصم إليه في قاتل أخيه ، فقال : أتعفو عنه ؟ قال : لا . قال : أتأخذ الدية ؟ قال : لا . قال : أتقتله ؟ قال : نعم » « 1 » . عرض عليه الدية ، ولو كان غير حقه لم يعرض عليه . وقال في بعض الأخبار : « ولى القتيل بين خيرتين : بين قتل وأخذ دية » . وأما عندنا : تأويل قوله تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ليس هو القاتل ؛ لأنه يكون معفوا عنه ؛ ولأنه لا يتبع أحدا وهو المتبع ، بل هو الولي ؛ لأنه هو المعفو له ، لا القاتل ، حيث أمر بالاتباع بالمعروف ؛ كأنه قال : من بذل له وأعطى من أخيه شئ فاتباع بالمعروف ؛ وذلك جائز في اللغة ؛ العفو بمعنى البذل والإعطاء ، على ما قيل : خذ ما آتاك عفوا صفوا ، أي فضلا . وكذلك روى عن عبد الله بن عباس ، رضي الله عنه ، أنه قال : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ، أي : أعطى له « 2 » . والحق عندنا : هو القود ، لا غير ، على ما جاء عن رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « العمد قود إلا أن يعفو ولى المقتول » « 3 » ، وقد روى في بعض الأخبار : « إلا أن تفادى » « 4 » . والمفاداة : هو فعل اثنين ، فلا يأخذه إلا عن تراض

--> ( 1 ) طرف من حديث وائل بن حجر ، أخرجه مسلم ( 3 / 1307 - 1308 ) كتاب القسامة ، باب صحة الإقرار بالقتل ( 32 / 1680 ) ، والدارمي ( 2 / 191 ) ، كتاب الديات ، باب لمن يعفو عن قاتله ، وأبو داود ( 4 / 169 - 170 ) كتاب الديات باب الإمام يأمر بالعفو عن الدم ( 4499 ، 4500 ، 4501 ) ، والنسائي ( 8 / 13 ) ، كتاب القسامة باب القود . ( 2 ) أخرجه ابن جرير بنحوه ( 2580 ، 2581 ، 2582 ، 2583 ) . ( 3 ) أخرجه ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنديهما ، والدارقطني ( 3 / 94 ) ، والطبراني في معجمه عن ابن عباس كما في نصب الراية للزيلعي ( 4 / 327 ) ، واللفظ لابن أبي شيبة ، وزاد إسحاق : « والخطأ عقل لا قود فيه وشبه العمد قتيل العصا والحجر ورمى السهم فيه الدية مغلظة من أسنان الإبل » . وللحديث طريق آخر أخرجه أبو داود ( 4 / 183 ) كتاب الديات باب من قتل في عمياء بين قوم ( 4539 ، 4591 ) ، والنسائي ( 8 / 39 ) ، كتاب القسامة ، باب من قتل بحجر أو سوط ، وابن ماجة ( 4 / 226 ) كتاب الديات ، باب من حال بين ولى المقتول وبين القود والدية ( 2635 ) ، والبيهقي ( 8 / 25 ، 53 ) . ( 4 ) طرف من حديث أبي هريرة . أخرجه : البخاري ( 1 / 277 - 278 ) ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم ( 112 ) ، ومسلم ( 2 / -