أبي منصور الماتريدي

75

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم يقال للشافعي - رحمه اللّه تعالى - : إذا جاز أن تجعل المرأة بمنزلة المحصر من غير أن تخاف عدوّا ، لكنها لما منعها من له أن يمنعها جعلتها محصرة ، فهلا جعلت المريض مثلها ، وإن كان النص في القرآن جاء في المحصر من العدو على زعمك ؟ فقال : لأن المرأة حبسها من له أن يحبسها ، فهي أشد حالا ممن حبسه عدو ، وليس له أن يحبسه . فيقال له : المريض أمرضه من له أن يمرضه فاجعله أشد حالا من الذي حبسه عدو وليس له أن يحبسه ، أو فرق بين المرأة والمريض ، فقال : بل بينهما فرق . وذلك أن الخائف بعدو يخاف القتل على نفسه ، وقد أباح اللّه للخائف في القتال أن يتحيز إلى فئة ، فينتقل بذلك من الخوف إلى الأمن . قيل له : كما رخص للخائف في ذلك فقد رخص للمريض ألا يحضر القتال ؛ فالرخصة له أكثر من الرخصة للخائف . فإن قال : إن المريض لا يبرأ بالقعود ، والخائف يأمن . قيل له : إن الرخص التي جعلت للأعذار لا تجعل لترفعها « 1 » ، ولكن الرخصة لتوفّيه المشقة . فيقال له أيضا : قد جعلت المرأة محصرة إذا منعها زوجها وهي لا تخاف القتل على نفسها . فبطلت علته وانتقضت . فإن قال : إنكم لم تجعلوا من ضل الطريق محصرا وهو ممنوع من المضي على حجه ، فما الفرق بينه وبين المريض ؟ فيقال : لو جعلنا الضال عن الطريق محصرا ، لم يجز له أن يحل من إحرامه إلا بدم يوجهه إلى الحرم فيذبح عنه . وإذا وجد من يذهب إلى الحرم فيذبح هديه ، فليس بضال ؛ لأنه قد وجد دليلا يدله على طريقه ؛ لذلك افترقا . وبعد ، فإن المرض أحق أن يكون عذرا في ذلك من العدو وغيره ؛ لأنه يقاتل العدو والسباع فيدفع عن نفسه الإحصار ، والمرض لا سبيل له إلى دفعه . دل أنه أحق أن يجعل عذرا . وقال بعضهم : يكون محصرا من الحج ، ولا يكون من العمرة ؛ لأن الحج مما يحتمل الفوت ، والعمرة لا . وأما عندنا : فإنه يكون محصرا منهما جميعا ؛ لأن اللّه عزّ وجل ذكر الإحصار على إثر

--> ( 1 ) في ط : لترخصها .