أبي منصور الماتريدي

76

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ذكر العمرة بقوله : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، وروى في الخبر ، يرويه ابن عمر ، رضى اللّه تعالى عنه ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج معتمرا ، فحال كفار قريش بينه وبين البيت الشريف ، فنحر هديه ، وحلق رأسه بالحديبية « 1 » ، وقوله : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ، فيه دلالة أن المحصر يبقى حراما على حاله ، لا يحل حتى ينحر عنه الهدى . واختلف أهل العلم : أين يذبح الهدى ؟ فعندنا : أنه لا يجوز أن يذبح إلا في الحرم ؛ روى عن ابن مسعود « 2 » - رضى اللّه تعالى عنه - أنه قال : « يبعث بهدى ويواعدهم يوما ، فإذا نحر عنه حل » . وعن ابن عباس « 3 » ، رضى اللّه تعالى عنهما ، مثل ذلك . وعن ابن الزبير « 4 » وعروة ابن الزبير - رضى اللّه تعالى عنهما - : أن المحصر يبعث بالهدى فإذا نحر عنه حلق . وظاهر القرآن يدل على ما روى عن هؤلاء ؛ لأن اللّه تعالى قال : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ، فجعل للهدى محلّا يبلغه ، وبين موضع محله فقال : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [ المائدة : 95 ] ، وكانت الكعبة محلّا لجزاء الصيد والدم المحصر . قال الشيخ - رحمه اللّه - : المحل : اسم الموضع الذي يحل فيه . ولو كان كل موضع له محلّا لم يكن لذكر المحل فائدة . واحتج من خالف أصحابنا رحمهم اللّه بما روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ذبح الهدى يوم الحديبية ثم قال : ولم يبلغنا أنه نحره في الحرم . قيل روى أنه نحر هديه يوم الحديبية في الحرم ، يرويه مروان بن الحكم . وعن ابن عباس - رضى اللّه عنه - قال : نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحديبية فحال المشركون بينه وبين دخول مكة ، وجاء سهيل بن عمرو يعرض عليهم الصلح فصالحهم رسول اللّه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4 / 468 - 469 ) كتاب المحصر باب إذا أحصر المعتمر ( 1806 ، 1809 ) ، وابن جرير ( 3321 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير من ( 3299 ) إلى ( 3304 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 3305 ، 3306 ، 3311 ) . ( 4 ) هو : عبد اللّه بن الزبير بن العوام الأسدي أبو خبيب - بمعجمة مضمومة - المكي ثم المدني ، أول مولود في الإسلام وفارس قريش . له ثلاثة وثلاثون حديثا ، اتفقا على حديث ، وانفرد البخاري بستة ، وانفرد مسلم بحديثين . وعنه ابناه عباد وعامر ، وأخوه عروة وعطاء وطاوس . شهد اليرموك وبويع بعد موت يزيد ، وغلب على اليمن والحجاز والعراق وخراسان ، وكان فصيحا شريفا شجاعا لسنا أطلس . قتل بمكة سنة ثلاث وسبعين ، ومولده بعد الهجرة بعشرين شهرا ، ينظر الخلاصة ( 2 / 56 ) ( 3496 ) .