أبي منصور الماتريدي

65

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم منهم من جعل لهم القتال « 1 » في الحرم وفي أشهر الحج بظاهر هذه الآية . ومنهم من قال : لا يقتل فيهما جميعا . وقال أصحابنا - رحمهم اللّه تعالى : يقتل في الشهر الحرام « 2 » ، ولا يقتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال ، فحينئذ يقتلهم . وكذلك يقولون فيمن قتل آخر ثم التجأ إلى الحرم : لم يقتل فيه ، ولكن لا يؤاكل ولا يشارب ولا يجالس حتى يضطر فيخرج ، فيقتل . وإذا قتل في الحرم يقتل . فعلى ذلك لا يقاتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال ، فعند ذلك يحل القتل . وإنما لم يحل القتال في الحرم إلا أن يبدءوهم به ، وإن كان ظاهر قوله : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يبيح القتل في الأمكنة كلها ، بقوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ استثنى الحرم دون غيره من الأماكن . وأما قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [ البقرة : 217 ] ظاهر هذه الآية يحرم القتال في أشهر الحج ، لكن فيه دليل حل القتال بقوله : وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [ البقرة : 217 ] ، يعنى بالفتنة الشرك ، جعل القتل فيه كبيرا ، ثم أخبر أن الشرك فيه أكبر وأعظم من القتل . فالأصل عندنا : أن الابتلاء إذا كان من وجهين يختار الأيسر منهما والأخف ؛ فلذلك قلنا : إنه يختار القتل في الحرم على بقاء الفتنة - وهو الشرك - إذ هو أكبر وأعظم . واللّه أعلم . وقوله : وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ . يحتمل : وَأَخْرِجُوهُمْ من مكة كما أَخْرَجُوكُمْ عام الحديبية . ويحتمل : أن أمرهم بأن يضيقوا عليهم ويضطروهم إلى الخروج كما فعل أهل مكة بهم . ويحتمل : الإخراج على ما جاء : « ألا لا يحجن مشرك بعد عامي هذا » « 3 » .

--> ( 1 ) في ب : المقتل . ( 2 ) في ب : أشهر الحرم . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 4 / 287 ) كتاب الحج باب لا يطوف بالبيت عريان ( 1622 ) ومسلم ( 2 / 982 ) كتاب الحج باب لا يحج البيت مشرك ( 435 / 1347 ) وأبو داود ( 1 / 599 ) كتاب المناسك باب يوم الحج الأكبر ( 1946 ) والنسائي ( 5 / 234 ) كتاب المناسك باب قوله عزّ وجل خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ من طريق حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر الصديق رضى اللّه عنه بعثه -