أبي منصور الماتريدي

66

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويحتمل : أن يمنعوهم عن الدخول فيه ؛ كقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة : 28 ] ، وكقوله : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] ، المنع عن الشرك إخراجا . وقوله : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ . أي : الشرك أعظم جرما عند اللّه من القتل فيه . وقوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كما ذكرنا أن هذا وقوله : وَاقْتُلُوهُمْ ، كله يخرج على المجازاة لهم . وفيه لغة أخرى : « وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ » . فإذا قتلونا لا سبيل لنا أن نقتلهم ، فما معنى هذا ؟ قيل : يحتمل قوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ أي : إذا قتلوا واحدا منكم فحينئذ تقتلونهم ، أو لا تقتلوهم حتى يبدءوا هم بالقتل « 1 » ، أو أن يقول : لا تقتلوهم حتى يقتلوا بعضكم ، فإذا فعلوا ذلك فحينئذ تقتلونهم . واللّه أعلم . وقوله : كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ . أي هكذا جزاء من لم يقبل نعم اللّه ، ولم يستقبلها بالشكر . ويحتمل : كذلك جزاء من بدأ بالقتال في الحرم أن يقتل . وقوله : فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . يحتمل وجهين : يحتمل : فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك ، وأسلموا يتغمدهم اللّه برحمته . ويحتمل : فَإِنِ انْتَهَوْا عن بدء القتال ، وأسلموا ، فإن اللّه يرحمهم ويغفر ذنوبهم . وقوله : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ . أنه أمرنا بالقتال مع الكفرة ليسلموا . فإن قيل : أيش الحكمة في قتل الكفرة ، وهو في الظاهر غير مستحسن في العقل ؟ قيل : إنا نقاتلهم ليسلموا ، ولا نقتلهم إلا أن يأبوا الإسلام ، فإذا أبوا ذلك ثم لم نقتلهم لا يسلمون أبدا ؛ لذلك قتلناهم ، إذ في القتل ذهاب الفتنة . ويحتمل : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ على وجه الأرض ، أي تطهر من الشرك .

--> - في الحجة التي أمره عليها رسول اللّه قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس : « ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان » . ( 1 ) في ط : يبدأهم بقتلكم .