أبي منصور الماتريدي
358
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
إني ما وضعت لا يصلح للوجه الذي جعلت . والثاني : أن الإنسان إذا رأى شيئا عجيبا قد ينطق بذلك ، وإن كان يعلم أن غيره علم ما علم هو ، وأنه رأى مثل ما رأى هو . أو يحتمل أن طلبت ردّها إلى منافعها إذا وضعت الأنثى ؛ لما رأت الأنثى لا تصلح لذلك . ويحتمل قولها : إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى : التعريض لإجابة اللّه - تعالى - لها فيما قصدت من طاعته بالنذور « 1 » إن لم تكن صلحت لما قصدت ، وقد أجيبت في ذلك بقوله : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ نحو ما يتقبل لو كان ذكرا في الاختيار والإكرام ، وجعلها خير نساء العالمين . وقوله : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى . اختلف فيه : قيل : إن ذلك قولها ، قالت : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى على إثر قولها : إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ؛ « 2 » لما تحتاج الأنثى إلى فضل حفظ وتعاهد ، والقيام بأسبابها ما لا يحتاج الذكر . وقيل : إن ذلك قول قاله - عزّ وجل - لما قالت : إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ، جوابا لها ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى فيما قصدت ، واللّه أعلم . وقوله : وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ . فيه دليل [ على ] « 3 » أن تسمية الأولاد إلى الأمهات في الإناث دون الآباء « 4 » ، ثم التجأت إلى اللّه تعالى ، حيث أعاذتها به - وذرّيتها - من الشيطان الرجيم . وفيه دلالة أن الذكور يكونون من ذرّية الإناث ؛ لأنه لم يكن منها إلا عيسى ، عليه السلام . وقوله : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ . يحتمل قوله : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ : أن أعاذها وذرّيتها من الشيطان الرجيم على ما سألت .
--> ( 1 ) جمع نذر . وهو في اللغة : مشتق من الإنذار ، وهو : الإبلاغ والإعلام بالأمر المخوف ، كأن الناذر يعلم نفسه ، ويوجب عليها قربة يتخوف الإثم من تركها . وهو في الاصطلاح : إيجاب عبادة في الذمة بشرط وبغير شرط . وقيل : هو : إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيما للّه تعالى . ينظر : الصحاح ( 2 / 826 ) ( نذر ) ، والقاموس المحيط ص ( 434 ) ( نذر ) ، وأنيس الفقهاء للشيخ قاسم القونوي ( 301 ) ، والنظم المستعذب لابن بطال ( 1 / 221 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 6 / 335 ) رقم ( 6882 ) عن السدي . ( 3 ) سقط من ب . ( 4 ) قال السيوطي في : « الإكليل » : في الآية دليل على جواز تسمية الأطفال يوم الولادة وأنه لا يتعين يوم السابع ؛ لأنها إنما قالت هذا بأثر الوضع ، كما فيه مشروعية التسمية للأم وأنها لا تختص بالأب . ينظر : محاسن التأويل للقاسمي ( 4 / 91 ) .