أبي منصور الماتريدي
346
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يوصل إليه ، واختيارهم ما به يبلغون ما يأملون من أنواع الحيل التي تقربهم إلى ذلك ، فمثله يلزم أمر الملك ولذّات الدّنيا ، وتقرر في قلوبهم وجود ذلك لقوم ؛ لو كان ينال بالتدبير أو بحسن السياسة ، وطلب ذلك من الوجوه التي يطلب بها البشر - لم « 1 » يكن الدين لهم ذلك بأحق من غيرهم ؛ بل كان فيمن حرموا من هم أولى بذلك ، وأحق أن يكون في ذلك متبوعا لا تابعا من الذين نالوه ؛ ليعلم أن الذي يملك دفع ذلك إلى أحد أو تمليكه أحدا ، غير الذين « 2 » صرفوا كدحهم ، وجعلوا له سعيهم ؛ فيكون للّه في كل أمر ممّا عليه أمر البشر آية عظيمة ، وعلامة لطيفة على تفرده بملك ذلك ، وتوحّده بالتدبير فيه لمن له بصيرة ولمن به يمتحن عباده . وعلى ذلك إذ ثبتت في ذلك أدلة التوحيد ، ولزوم الاعتبار به ؛ ليعرف من له الحق - ثبت القول ببطلان ما ينكره كثير من المعتزلة ؛ أن الملك الذي ناله الجبابرة ، والسعة التي تصل إلى الكفرة - لم يكن نالوه بتقدير اللّه ، ولا وصلوا إليه بتدبيره ؛ إذ حقه ما ذكرت من عظيم ما فيه من النعم ؛ ليلزمهم به أرفع المحن وأعلى الشكر ، وله أن يبلو بالحسنات والسّيئات ؛ كما وعد عزّ وجل ؛ وجملته : أن الدنيا إذ هي دار محنة ومكان ابتلاء ، فليس الذي يعطي منه على الاستحقاق ، ولا ما يمنع على العقوبة « 3 » - وإن احتمل الدفع والمنع لذلك - ولكن له وللمحن ، والمحنة أكثرها على مخالفة الأهواء ، وتحمل المكاره ، ويكون ذلك على إعطاء ما يعظم في أنفسهم ، أو التمكين ليمتحنوا ؛ فيتبين الإيثار « 4 » والترك لوجه اللّه ، والرغبة فيمن إليه حقيقة ملك كل شيء ، أو الميل إلى من إليه أنواع التغرير والمخادعات من غير تحقيق ، ولا قوة إلا باللّه . وعلى ذلك قوله : أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ [ البقرة : 258 ] يبيّن ذلك احتجاجه على إبراهيم [ - عليه السلام - ] بالذي ذكر ، وإغضاء إبراهيم عنه ، ولو كان الذي آتاه [ اللّه ] « 5 » الملك إبراهيم [ - عليه السلام - ] « 6 » لم يكن ليجترئ على تلك المقالة بقوله : أَنَا أُحْيِي
--> ( 1 ) في ب : فلم . ( 2 ) في ب : الذي . ( 3 ) العقوبة والعقاب والمعاقبة مختصة بالعذاب وهي أن تجزي الرجل بما فعل سوءا . انظر : لسان العرب ( 4 / 3027 ) ، ( عقب ) ، عمدة الحفاظ ( 3 / 122 ) . ( 4 ) الإيثار لغة : للتفضل بمعنى التفضيل ، ومنه قوله - تعالى - : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ [ الحشر : 9 ] أي : يفضلون غيرهم على أنفسهم . ينظر : عمدة الحفاظ للسمين الحلبي ( 1 / 63 ) . ( 5 ) سقط من ب . ( 6 ) سقط من ب .