أبي منصور الماتريدي

34

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ومعلوم أن على المفطر في الحضر القضاء . فكذلك الصائم في السفر . ولكن الآية عندنا على الإضمار ، وعلى ذلك يجرى ذكر الرخص على إثر ذكر الحضر « 1 » ، كقوله عزّ وجل : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [ البقرة : 173 ] من غير ذكر الأكل أنه على إباحته . وقال الله عزّ وجل : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ، ثم قال عزّ وجل : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ [ البقرة : 196 ] ولم يذكر منه الإحلال ، لكنه معلوم أنه على الشك ما لم يوجد ؛ إذ لا يكون العذر سبب الزيادة في الفرض . وكذلك قوله عزّ وجل : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ البقرة : 196 ] ، ثم قال عزّ وجل : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ . . . الآية [ البقرة : 196 ] ، وذلك على إطلاق الحلق ، ثم يلزمه الفداء ؛ لأن الأذى والمرض يلزمانه . فمثله الأول . ثم الأصل : أنه لا أحد يلزم فرض صيام الشهر في غيره إذا لم يدرك الشهر ، وقد أمر من نحن في ذكره ؛ فبان أنه لزمه بإدراك الشهر لإدراك وقت الإمكان بلا عذر . وقال : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وقال : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ليعلم أن الذي يلزمه بالشهر في أوقات الإمكان . وذلك على ما يلزم الإحداث الطهارة لأوقات عبادة لا تقوم دونها ، وفعل الجنابات لأوقات الحلول وإن تأخرت فمثله أمر الشهر . دليله ما بينا ، وما ثبت عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وعن صحابته : فعل الصيام في ذلك الوقت والفطر جميعا ؛ ثبت أن الصوم يجوز على المرض والسفر ؛ إذ هما لأنفسهما لا يناقضان الصيام بما جاز معهما ، وقد أمر به المتمتع وهو المسافر ، أن ليس ذلك على حاضري المسجد الحرام ، وذابح الصيد والمبادئ « 2 » بهما لا يضادان الصيام ، ثم كان القضاء عن الشهر بظاهر التلاوة ؛ فبان أنه يجوز فيهما .

--> - أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر » . قال البوصيري : هذا إسناد ضعيف ومنقطع ، أسامة بن زيد هو ابن أسلم ضعيف ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئا قاله ابن معين والبخاري . قلت : وللحديث طريق أخرى ، أخرجه النسائي ( 4 / 183 ) ، كتاب الصيام ، باب قوله : « الصائم في السفر كالمفطر في الحضر » ، من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي سلمة عن عبد الرحمن ابن عوف موقوفا . ( 1 ) في أ : الخطر . ( 2 ) في أ : والمنادى .