أبي منصور الماتريدي

35

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وإذا جاز ثبت أن التأخير رخصة والفضل في الفعل . والله أعلم . والخبر على من يجهده الصيام حتى خيف عليه ، وكذلك ما جاء من الآثار : « أن ليس من البر الصيام في السفر » « 1 » . والله أعلم . وعلى هذا يخرج قول أصحابنا في المكره على الفطر « 2 » : أنه إن كان مريضا أو مسافرا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4 / 183 ) كتاب : الصوم ، باب : قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتدّ الحر : « ليس من البر الصوم في السفر » ، حديث ( 1946 ) ، ومسلم ( 2 / 786 ) كتاب : الصيام ، باب : جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية . . . ، حديث ( 92 / 1115 ) ، وأبو داود ( 7962 ) كتاب : الصوم ، باب : اختيار الفطر ، حديث ( 2407 ) ، والنسائي ( 4 / 175 ) كتاب : الصيام ، باب : العلة التي من أجلها قيل ذلك ، وذكر الاختلاف على محمد بن عبد الرحمن في حديث جابر بن عبد الله في ذلك ، والطيالسي ( 1 / 189 ) كتاب : الصيام ، باب : الرخصة في الفطر للمسافر في رمضان حديث ( 910 ) ، وأحمد ( 3 / 299 ) ، والدّارمى ( 2 / 9 ) كتاب : الصوم ، باب : في السفر ، والطحاوي في شرح معاني الآثار ( 2 / 62 ) كتاب : الصيام في السفر ، وأبو نعيم في الحلية ( 7 / 159 ) ، والبيهقي ( 4 / 242 ) كتاب : الصيام ، باب : تأكيد الفطر في السفر إذا كان يجهده الصوم ، والخطيب ( 12 / 118 ) ، وابن خزيمة ( 3 / 254 ) ، وأبو يعلى ( 3 / 403 ) ، وابن الجارود في المنتقى رقم ( 399 ) من حديث جابر . ( 2 ) الإكراه : هو حمل الإنسان غيره ، على فعل أو ترك ما لا يرضاه بالوعيد . ومذهب الحنفية والمالكية أن من أكره على الفطر فأفطر قضى . قالوا : إذا أكره الصائم بالقتل على الفطر ، بتناول الطعام في شهر رمضان ، وهو صحيح مقيم فمرخص له به ، والصوم أفضل ، حتى لو امتنع من الإفطار حتى قتل ، يثاب عليه ؛ لأن الوجوب ثابت حالة الإكراه ، وأثر الرخصة في الإكراه هو سقوط المأثم بالترك ، لا في سقوط الوجوب ، بل بقي الوجوب ثابتا ، والترك حراما ، وإذا كان الوجوب ثابتا ، والترك حراما ، كان حق الله تعالى قائما ، فهو بالامتناع بذل نفسه لإقامة حق الله تعالى ؛ طلبا لمرضاته ، فكان مجاهدا في دينه ، فيثاب عليه . وأما إذا كان المكره مريضا أو مسافرا ، فالإكراه - كما يقول الكاساني - حينئذ مبيح مطلق ، في حق كل منهما ، بل موجب ، والأفضل هو الإفطار ، بل يجب عليه ذلك ، ولا يسعه ألا يفطر ، حتى لو امتنع من ذلك ، فقتل ، يأثم . ووجه الفرق : أن في الصحيح المقيم كان الوجوب ثابتا قبل الإكراه من غير رخصة الترك أصلا ، فإذا جاء الإكراه - وهو سبب من أسباب الرخصة - كان أثره في إثبات رخصة الترك ، لا في إسقاط الوجوب . وأما في المريض والمسافر ، فالوجوب مع رخصة الترك ، كان ثابتا قبل الإكراه ؛ فلا بد أن يكون للإكراه أثر آخر لم يكن ثابتا قبله ، وليس ذلك إلا إسقاط الوجوب رأسا ، وإثبات الإباحة المطلقة ؛ فنزل منزلة الإكراه على أكل الميتة ، وهناك يباح له الأكل ، بل يجب عليه ؛ فكذا هنا . وفرق الشافعية بين الإكراه على الأكل أو الشرب ، وبين الإكراه على الوطء : فقالوا في الإكراه على الأكل : لو أكره حتى أكل أو شرب لم يفطر ، كما لو أوجر في حلقه مكرها ؛ لأن الحكم الذي يبنى على اختياره ساقط لعدم وجود الاختيار . أما لو أكره على الوطء زنّى ، فإنه لا يباح بالإكراه ، فيفطر به ، بخلاف وطء زوجته . واعتمد العزيزي الإطلاق ، ووجّهه بأن عدم الإفطار لشبهة الإكراه على الوطء ، والحرمة من جهة الوطء ، فعلى هذا يكون الإكراه على الإفطار مطلقا بالوطء والأكل والشرب ، إذا فعله المكره لا يفطر به ، ولا يجب عليه القضاء إلا في الإكراه على الإفطار بالزنى ؛ فإن فيه وجها بالإفطار والقضاء عندهم . وهذا الإطلاق عند الشافعية ، هو مذهب الحنابلة أيضا : فلو أكره على الفعل ، أو فعل به ما أكره عليه ، بأن صب في حلقه مكرها أو نائما ، كما لو أوجر المغمى عليه معالجة لا -