أبي منصور الماتريدي
331
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقيل : « شهد اللّه » أي : علم اللّه أنه لا إله إلا هو ، وكذلك علم الملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو ، فإن قال لنا ملحد « 1 » : كيف صح ، وهو دعوى ؟ ! قيل : لأن دعوى من ظهر صدقه في شهادته إذا شهد ، وهو مقبول ، وهو بما ادعى من الألوهية والربوبية ؛ إذا لم يستقله أحد - ظهر صدقه ، وقهر كل مكذب له في دعواه ، وباللّه النجاة « 2 » . وقوله : قائِماً بِالْقِسْطِ : أي : حافظ ومتولّ ؛ كقوله : قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] ، أي : حافظ لها ومتولّ ؛ كما يقال : فلان قائم على أمر فلان ، أي : حافظ لأمره ، ومتعاهد لأسبابه . قال الشيخ - رحمه اللّه - : وقيل : هو عادل ، أي : لا يجوز ، لا أن ثم معنى القيام ؛ كقوله : قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [ النساء : 135 ] : مقسطين ، لا أن ثم للقيام فيه معنى يسبق الوهم إليه ، واللّه أعلم . وقوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قال قائلون : إن الدّين الذي هو حق [ من ] « 3 » بين الأديان ، وهو الإسلام ؛ لأن كل أحد منهم ممن دان دينا يدعي أنّه هو دين اللّه الذي أمر به . وقال قوم : إن الدّين الذي أمر به الآمر من عند اللّه هو دين الإسلام ؛ لأنهم كانوا مع اختلافهم مقرين « 4 » بالإيمان ، لكن بعضهم لا يقرون بالإسلام ؛ فأخبر - [ عزّ وجلّ ] « 5 » - أن الدّين الذي أمر به وفيه التوحيد هو دين الإسلام ، لا غيره ؛ ألا ترى أنه قال : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً . . . [ آل عمران : 67 ] : أخبر [ عز
--> - الهمام ص ( 50 ) ، التوحيد للماتريدي ص ( 288 ) ، شرح الجوهرة للبيجوري ص ( 46 ) . ( 1 ) ألحد فلان : مال عن الحق ، والإلحاد ضربان : إلحاد إلى الشرك باللّه ، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب ، فالأول : ينافي الإيمان ويبطله ، والثاني : يوهن عراه ولا يبطله . ينظر : التوقيف على مهمات التعاريف ، للدكتور : محمد رضوان الداية ص ( 618 ) . ( 2 ) قال العلامة القاسمي : قال العارف الشعراني في كتاب « الجواهر والدرر » : سألت أخي أفضل الدين : لم شهد الحق - تعالى - لنفسه بأنه لا إله إلا هو ؟ فقال - رضي اللّه عنه - : لينبه عباده على غناه عن توحيدهم له ، وأنه هو الموحد نفسه بنفسه . فقلت له : فلم عطف الملائكة على نفسه دون غيرهم ؟ فقال : لأن علمهم بالتوحيد لم يكن حاصلا من النظر في الأدلة كالبشر ، وإنما كان علمهم بذلك حاصلا من التجلي الإلهي . وذلك أقوى العلوم وأصدقها ؛ فلذلك قدموا في الذكر على أولي العلم ، وأيضا فإن الملائكة واسطة بين الحق وبين رسله ؛ فناسب ذكرهم في الوسط ، فاعلم ذلك . ينظر : محاسن التأويل ( 4 / 67 ) . ( 3 ) سقط من ب . ( 4 ) في ب : مقرون . ( 5 ) سقط من ب .