أبي منصور الماتريدي
323
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويدعوهم إليها ، ويريهم زينتها - فنعم . وإن عنوا أنّه يزينها بحيث نفّسها لهم - فلا ؛ لأن اللّه - تعالى - وصف الشيطان بالضعف ، ونفي عنه هذه القدرة بقوله : إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [ النساء : 76 ] ، فلو جعلنا له التزيين لهم على ما قالوا ، لم يكن كيده على ما وصفه - عزّ وجلّ - بالضعف ؛ ولكن كان قويّا ، ولكنه يدعوهم إليها ، ويرغبهم فيها ، ويريهم المزين لهم ، ثم دعاؤه إيّاهم ، وحجّته في ذلك ، وقوته من حيث ما لا يطلع عليه بقوله : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [ الأعراف : 27 ] ، فالعدو الّذى يرى هو من يعاديه ، ولا يرى هو - كان يجب أن يكون أحذر منه ، وأخوف ممن يرى . ووجه آخر : أن الشهوات التي أضاف التزيين « 1 » إليها لا خلاف بينهم في أنها مخلوقة للّه [ تعالى ] « 2 » ، فما بقي للشيطان إلا الدعاء إليها ، والترغيب فيها . وفيه وجه آخر : أنه لو لم يجعل هذا مزينا من اللّه تعالى « 3 » ، زال موضع استدلال الشاهد على الغائب ، وبالدنيا « 4 » على الآخرة . وقد جعل ما في الدنيا نوعين : مستحسنا ومستقبحا . وجعل ذلك عيارا لما أوعد ووعد ، فلما لم يكونا منه - لا يصح موضع التعيير ، لأنه - جلّ وعلا - بلطفه سخّر كلّ مرغوب في الدّنيا ، ومدعو إليه من جوهره - في الآخرة ، وحسنه ؛ ليرغب الناس هذا إلى ما في الجنة بحسنه ولطفه وزينته ، ويدعوهم إلى ترك ما في الدّنيا من الفاني إلى نعيم دائم أبدا ، فلو جعل هذا من تزيين « 5 » الشيطان - لعنه اللّه - ومصنوعه لهم ، لذهب عظيم موضع الاستدلال الذي ذكرنا ؛ فدلّ أنه مزين منه عزّ وجل ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . ثمّ امتحنهم [ اللّه ] « 6 » - عزّ وجل - بترك ما زين لهم في الطباع ؛ بما ركب لهم من العقول الوافرة ؛ ليختاروا ما حسن في العقول وتزين ، وعلى ذلك جرت الكلفة والخطاب ، لا بما مالت إليه الطباع ، ونفرت عنه العقول ، وباللّه التوفيق . ثم في الآية دلالة وجوب الحق « 7 » في كل ما ذكر في الآية من المال ، وكذلك الخيل ،
--> ( 1 ) في ب : التزين . ( 2 ) سقط من ب . ( 3 ) في ب : عزّ وجل . ( 4 ) في ب : الدنيا . ( 5 ) في ب : تزين . ( 6 ) سقط من ب . ( 7 ) الحق : هو الزكاة . روت فاطمة بنت قيس أنها قالت : « سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الزكاة ، فقال : إن في المال لحقّا سوى الزكاة » . -