أبي منصور الماتريدي
319
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فيه : فإن قال قائل : ما في فئة « 1 » قليلة ، وهي فئة أهل الإسلام ، في غلبة فئة كثيرة ، وهي فئة المشركين ؛ حيث غلبت فئة المسلمين - وهم قليل - فئة المشركين - وهم كثير - يوم بدر « 2 » ، وقد يكون لأهل الكفر إذا كانوا قليلا « 3 » ، فغلبوا على أهل الإسلام - آية . قيل : ليست الآية في الغلبة خاصّة ؛ لكن الآية فيها [ واللّه أعلم ] « 4 » وفي غيرها من وجوه : أحدها : أن غلبة المسلمين ، مع ضعف أبدانهم ، وقلة عددهم ، وخروجهم لا على وجه الحرب والقتال - المشركين مع قوة أبدانهم ، وكثرة عددهم ، واستعدادهم للحرب ، وخروجهم على ذلك ، والقتال - آية ، وعلم العدو أن ليس لهم فئة ، ولا لهم رجاء المدد ، وأن لا غياث لهم من البشر ، وذلك آية الجرأة وعلامة الشجاعة ، ومعه آمن ، واللّه أعلم . والثاني : [ أن ] « 5 » ما روي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذ كفا من تراب ، فرماه على وجوههم ، وقال : « شاهت الوجوه » « 6 » ؛ فامتلأت أعينهم من ذلك وعموا ؛ حتى انهزموا ؛ فصار آية . والثالث : ما قيل : إن أبا جهل قام فدعا فقال : « أيّنا أحقّ دينا ، وأوصل رحما ؛
--> ( 1 ) الفئة : الجماعة من الناس ، وقيدها بعضهم بالمتظاهرة ، وبعضهم بالمتعاضدة . قال السمين الحلبي : وهما متقاربتان . قال الراغب : الفئة : الجماعة المتظاهرة التي يرجع بعضها إلى بعض في التعاضد . ينظر : عمدة الحفاظ ( 3 / 229 ) ، المفردات للراغب الأصفهاني ( ص 389 ) . ( 2 ) بدر : قرية مشهورة على نحو أربعة مراحل من المدينة الشريفة ، قيل : نسبت إلى بدر بن مخلّد بن النضر بن كنانة ، وقيل : إلى بدر بن الحارث ، وقيل : إلى بدر بن كلدة . وقيل : بدر : اسم البئر التي بها ؛ سمّيت بذلك لاستدارتها أو لصفائها فكان البدر يرى فيها ، وأنكر ذلك غير واحد من شيوخ بني غفار وقالوا : هي ماؤنا ، ومنازلنا وما ملكها أحد قطّ يقال له بدر ، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد . قال الإمام البغويّ : وهذا قول الأكثر . ينظر : سبل الهدى والرشاد للصالحي ( 4 / 120 ) ، مراصد الاطلاع لصفي الدين البغدادي ( 1 / 170 - 171 ) . ( 3 ) في ب : قليل . ( 4 ) سقط من ب . ( 5 ) سقط من ب . ( 6 ) أخرجه الطبراني في الكبير ( 3 / 227 ) رقم ( 3128 ) عن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخذ كفّا من الحصباء فاستقبلنا به فرمانا بها ، وقال : « شاهت الوجوه » فانهزمنا ، فأنزل اللّه : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] . وإسناده حسن ، قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ( 6 / 84 ) .