أبي منصور الماتريدي
314
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والثاني : أنهم سألوا العصمة عن الزيغ والضلال ، فلو كان عليه أن يفعل « 1 » ، وأن يبذل لهم العصمة ، لم يكن للسؤال عن ذلك معنى ؛ فدل أنه تفضل منه ببذل ذلك لهم ، واللّه أعلم . قال الشيخ - رحمه اللّه - في قوله : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا الآية : فيه وجهان : أحدهما : أنه لو لم يكن له إلا الأصلح في الدين ؛ فتركه جور ، فالقول ب رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا - لا يخلو من أن يكون الإزاغة أصلح له ، وهو يدعو بأن يجور أو لا يكون أصلح ، فهو يدعو بأنه لا يجور ، ومحال الدعاء على خوف الجور ؛ ومن خاف جور الخالق فهو غير عارف به . والثاني : أن الداعي - فيما جبل عليه الخلق - يدعو على أمر أنه لو أجابه لكان لا يزيغ قلبه ، وكذلك سؤال العصمة والهداية ؛ ولهذا يؤمر به - أيضا - ولو كان معه زيغ ، لكان الأفضل في الأمر بين الدعاء بالإزاغة ، وأن « لا تزغ » ؛ إذ الخوف مع الأمرين قائم ، واللّه الموفق . وفي ذلك - أيضا - وجهان آخران : أحدهما : أن الإزاغة إذا أضيفت إلى أحد ، خرجت مخرج الشتم له والتعيير ؛ فثبت « 2 » أن فيما أضيفت إلى اللّه - تبارك وتعالى - معنى ليس فيما أضيفت إلى أحد آخر غيره ، وهو - واللّه أعلم - أن الإزاغة من كل أحد فعل هو زيغ بنفسه فيه ذمّ ، ومن اللّه ليست [ بذم ] ؛ فيكون فيه أن خلق فعل الزيغ ليس بزيغ ، وإن « 3 » كان فعله زيغا ، واللّه أعلم . وفيه أن خلق الشيء ليس هو ذلك ، والشيء ذاته يكون من اللّه ما يوصف بالإزاغة ، ويصير لديه الآخر زائغا ، ولا شيء يوجد يكون كذلك سوى خلق فعل الإزاغة من العبد ، واللّه الموفق . والثاني : قوله : بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا : ولو لم يكن من اللّه في الهداية سوى البيان ، لكان يصح ذلك لكل كافر ، ويجوز الإضافة إلى الرسل ؛ فإذ لم يصح ذلك ولم يجز ، ثبت أن ثم فضلا ، وهو خلق فعل الهداية ، والتوفيق الذي معه الاهتداء لا محالة ، وباللّه [ التوفيق و ] « 4 » المعونة .
--> ( 1 ) أي : لوجب عليه أن يفعل ، فالمعتزلة توجب على - اللّه - تعالى فعل الصلاح والأصلح . وقد تقدم بيان ذلك والرد عليه . ( 2 ) في ب : ثبت . ( 3 ) في ب : فإن . ( 4 ) سقط من ب .