أبي منصور الماتريدي
315
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً : يحتمل وجوها : يحتمل الهدى والإسلام ؛ إذ به يستفاد . ويحتمل الجنة . ويحتمل أنهم سألوه كل رحمة . قال أبو بكر الأصم : الرحمة : السعة في الدنيا ، والثواب في الآخرة « 1 » . وقوله : إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ : فهو - على قول المعتزلة - ليس بوهاب ؛ لأن الوهاب هو المفضل الذي يهب ويبذل ما ليس عليه ، وهو - على قولهم - عليه أن يعطي الخلق كل ما هو أصلح لهم في الدين ؛ فالآية تكذبهم ، وترد عليهم قولهم الوخش « 2 » في اللّه ، تعالى اللّه عن ذلك [ علوّا كبيرا ] « 3 » . ويحتمل : هب لنا ما يستوجب به الرحمة ، وهو عمل الخير ؛ كقوله : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف : 56 ] . وقوله : رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إقرار بالإيمان « 4 » والبعث بعد الموت « 5 » .
--> ( 1 ) انظر : تفسير الرازي ( 7 / 157 ) . ( 2 ) الوخش : الردىء من كل شيء . وقد وخش وخاشة . ينظر : تاج العروس ( 17 / 446 ) ( وخش ) . ( 3 ) سقط من ب . ( 4 ) الإيمان - لغة - : التصديق ، وهو ضد الكفر ، والتصديق ضد التكذيب . يقال : آمن به قوم وكذب به قوم ، وهو مصدر آمن يؤمن إيمانا فهو مؤمن . قال اللّه - تعالى - : على لسان أولاد يعقوب : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ [ يوسف : 17 ] أي : بمصدق لنا . وقد اختلف الأشاعرة والماتريدية حول هذا : فقد عرفه أبو الحسن الأشعري في اللمع بقوله : « إن قال قائل : ما الإيمان باللّه تعالى عندكم ؟ قيل له : هو التصديق باللّه تعالى ، فالإيمان عندهم عبارة عن التصديق القلبي . والتصديق القلبي الذي يعنيه الأشاعرة هنا : الإيمان باللّه سبحانه وإثبات ما أثبته لنفسه من صفات ، وأنه سبحانه ليس كمثله شيء . يقول القاضي الباقلاني : « الإيمان باللّه - عزّ وجل - هو : التصديق بالقلب بأنه اللّه الواحد الأحد الفرد الصمد القديم الخالق العليم الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير » . فالإيمان عند الأشاعرة يعني المعرفة ، وصحة الإيمان لا تكفي ؛ إذ لا بد من التصديق القلبي الذي هو المعرفة . يقول الإمام البغدادي : « الإيمان هو الإقرار باللّه عزّ وجل وبكتبه وبرسله ، إذا كان ذلك عن معرفة ، وتصديق بالقلب ، فإن خلا الإقرار عن المعرفة بصحته لم يكن إيمانا » . ويرى الإمام الرازي : « أن الإيمان يعني الاعتقاد ، والتصديق القلبي ، أما القول فإنه مترجم لهذا التصديق ومظهر له ، إذ يقول : « الإيمان عبارة عن التصديق ، فهو الاعتقاد ، والقول سبب لظهوره -