أبي منصور الماتريدي
311
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويكون المبتدع « 1 » في ابتغاء تأويله ؛ يريد التلبيس على من لزم تلك الجملة ، وكذلك لأهل جمل في الدّين مرفوع عليه ، كذا التنازع وترك الاشتغال بتأويل ما اعترضه ، لكان متبع المحكم عند الأمة مطيعا المتشابه ، ولا قوة إلا باللّه . وإن كان هو الأوّل فقد ذكر أن ذلك في استخراج منتهى ملك هذه الأمة ، وأن نهايته الساعة ، والعلم به لم يطلع عليه الرسل فضلا عمن « 2 » دونهم ، أو كان ذلك في أشياء تقصر عقول الضعفاء عن الإحاطة بذلك ؛ يريدون بذلك التلبيس على العوام وأهل الغباوة ؛ فأخبر - عزّ وجل - بما ذكر أنه لا يعلمه إلا اللّه كان ذلك فيما يعلمه غيره أو لا ، فإن كان أطلعه فباللّه علم ، لا أن في العقول بلوغ ذلك ، ومعنى الاتباع ما قد بين . وقوله : فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ أي : من القرآن بقول ما اشتبه حسابهم . ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ . وقيل : الفتنة : الكفر « 3 » ، ويحتمل « الفتنة » : المحنة ، أي : يمتحنون أهل الإسلام « 4 » . وقوله : وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ . منتهى ما كتب اللّه - عزّ وجل - لهذه الأمّة من المدّة [ لهم والوقت ] « 5 » ، وأصل التأويل : هو المنتهى . قال اللّه - تعالى - « 6 » : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ .
--> ( 1 ) البدعة - بالكسر - : الحدث في الدين بعد الإكمال ، والمبتدع : الذي يأتي أمرا على شبه لم يكن ، بل ابتدأه هو . ينظر : تاج العروس ( 20 / 309 ) ( بدع ) ، ولسان العرب ( 1 / 229 ) ( بدع ) . ( 2 ) في ب : من . ( 3 ) قاله السدي أخرجه عنه الطبري ( 6 / 196 ) ، رقم ( 6616 ) ، وابن أبي حاتم ( 2 / 67 ) رقم ( 110 ) وقاله أيضا الربيع أخرجه عنه الطبري ( 6 / 196 ) رقم ( 6617 ) . ( 4 ) قال القرطبي : قال شيخنا أبو العباس - رحمة اللّه عليه - : متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه ؛ طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام . . أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه . . أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال ؛ فهذه أربعة أقسام : الأول : لا شك في كفرهم وإن حكم اللّه فيهم القتل من غير استتابة . الثاني : الصحيح القول بتكفيرهم ؛ إذ لا فرق بينهم وبين عبادة الأصنام والصور ، ويستتابون : فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد . الثالث : اختلفوا في جواز ذلك ؛ بناء على الخلاف في جواز تأويلها . الرابع : الحكم فيه الأدب البليغ كما فعله عمر بصبيغ . ينظر : تفسير القرطبي ( 4 / 11 ) . ( 5 ) بدل ما بين المعقوفين في ب : لحد ذا الوقت . ( 6 ) في ب : عزّ وجل .