أبي منصور الماتريدي
312
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أي : وما يعلم منتهي تلك الأمة « 1 » إلّا اللّه . ثم المتشابه : إن كان ما يوقف فيه فهو ، وإن كان مما يعرفه أهل المعرفة ، ويعلمه بالواضح - فهو هو ، وأصل هذا : أن كل ذي مذهب في الإسلام يدعي على خصمه بما ذهب إليه من الحجاج بالآيات - الوقوع في المتشابه ، ولنفسه - الوقوع في الواضح ، وعنده أن ما ذهب إليه هو الحق ؛ فلا فرق بين أن يدعي عليه ذهابه إلى غير الحق ، أو تعديه إلى المتشابه وترك الواضح ، فسبيل مثله الفحص والبحث عما ذهب إليه إن جاء بشيء يضطر العقل إلى قبوله سلم له ما جاء به ، وإلا فخصمه منه في دعوى مثله : بالوقوع له في المتشابه بمحل دعواه . وقوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ : قال قوم : موضع الوقف على قوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ثم ابتدأ فقال : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا : « يقولون » ، بمعنى : قالوا ، « آمنا به » « 2 » : بما عرفنا ، وذلك جائز في اللغة ؛ « يقول » بمعنى : « قال » . وقال آخرون « 3 » : موضع الوقف على قوله : إِلَّا اللَّهُ ، ثم استأنف الكلام فقال : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا : المحكم والمتشابه وغيره « 4 » . قيل : الراسخون : هم المتدارسون « 5 » .
--> ( 1 ) في ب : ملك . ( 2 ) أخرج الطبري ( 6 / 203 ) ، رقم ( 6633 ) عن مجاهد : « والراسخون في العلم يعلمون تأويله ، ويقولون : آمنا به » . وكذا قاله محمد بن جعفر بن الزبير أخرجه الطبري عنه ( 6 / 203 ) ، رقم ( 6636 ) . ( 3 ) هذا قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة كما في جامع الأحكام للقرطبي ( 4 / 17 ) ، وهو - أيضا - قول الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وابن أبي حاتم كما في معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس ( 1 / 351 ) . وبه قال الحسن وأكثر التابعين كما في تفسير البغوي ( 1 / 280 ) . ( 4 ) الراجح من القولين القول الثاني القائل بأن موضع الوقف على قوله تعالى : إِلَّا اللَّهُ ودليل رجحانه ما يلي : أولا : ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم - لقوله - تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ الآية ، ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزا لما ذمه اللّه تعالى . ثانيا : مدح اللّه الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به ، قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 26 ] والراسخون لو كانوا عالمين بالمتشابه تفصيلا لما كان للإيمان به مدح لأنهم لو عرفوه وجب عليهم الإيمان به ، وإنما الراسخون هم الذين يعلمون أن علم اللّه تعالى كامل والقرآن كلامه وهو لا يتكلم بالباطل والعبث فإذا سمعوا آية كان ظاهرها غير مراد فوضوا علم ذلك للّه وقالوا : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا . وانظر تفصيل أدلة رجحان هذا القول في التفسير الكبير للرازي ( 7 / 154 ) . ( 5 ) قال البغوي : الدارسون علم التوراة والإنجيل . معالم التنزيل ( 1 / 280 ) . قال الواحدي في الوسيط ( 1 / 414 ) : وعند أكثر المفسرين : المراد بالراسخين : علماء مؤمني أهل الكتاب .