أبي منصور الماتريدي

308

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقد بيّنا الحق في أمر المتشابه ، وما يجب في ذلك من القول ، وباللّه العصمة والنجاة « 1 » . وقوله : هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ : يحتمل وجهين : يحتمل أم الكتاب ، أي : أصل الكتاب « 2 » . ويحتمل أم الكتاب ، أي : المتقدم على غيرها ؛ وعلى هذا يخرّج : أُمَّ الْقُرى [ الأنعام : 92 - الشورى : 7 ] ، أعني : مكة « 3 » ؛ لأنها هي المتقدمة على غيرها من القرى ، ويحتمل هي أصل القرى ؛ كما سمى « فاتحة الكتاب » : « أم القرآن » ؛ لأنها أصل ؛ أو لأنها هي المتقدمة على غيرها من السور ، واللّه أعلم .

--> ( 1 ) حقيقة ذلك أن آيات الكتاب العزيز عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أقسام : الأول : متشابه من حيث اللفظ فقط . الثاني : من حيث المعنى فقط . الثالث : من جهتهما معا . ثم المتشابه من حيث اللفظ نوعان : أحدهما : يرجع إلى المفردات إما من جهة الغرابة من قوله : وَفاكِهَةً وَأَبًّا [ عبس : 31 ] وكقوله : يَزِفُّونَ [ الصافات : 94 ] ، وإما من جهة الاشتراك كاليد والعين في قوله تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة : 64 ] تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [ القمر : 14 ] عَلى عَيْنِي [ طه : 39 ] . والثاني : يرجع إلى التركيبات ، وهي الجمل . وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام : أحدها : لاختصار الكلام كقوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى إلى قوله : وَرُباعَ [ النساء : 3 ] . وثانيها : عكسه ، وهو بسط الكلام ، كقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، إذ لو قيل : ليس مثله شيء . لكان أظهر للسامع . ثالثها : لنظم الكلام ، كقوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً [ الكهف : 1 ] . والقسم الثاني : من حيث المعنى فقط ، وذلك في أوصاف الباري تعالى ، وأوصاف القيامة . فإن تلك الصفات لا تتصور لنا ؛ إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه إذ لم يكن من جنس ما نحسه . والقسم الثالث : وهو المتشابه من جهتهما معا ينقسم إلى خمسة أقسام : الأول من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] . الثاني : من جهة الكيفية كالوجوب والندب كقوله تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [ النساء : 3 ] . الثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو قوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] . الرابع : من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها كقوله تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ . . . الآية [ البقرة : 189 ] ، وقوله : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [ التوبة : 37 ] فإن من لا يعرف عادة أهل الجاهلية في ذلك يتعذر عليه تفسير هذه الآية الكريمة . الخامس : من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد كشروط النكاح والصلاة . ويعلم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن أحد هذه الأقسام . ينظر : عمدة الحفاظ ( 2 / 284 - 286 ) . ( 2 ) قاله سعيد بن جبير أخرجه عنه ابن أبي حاتم ( 2 / 56 ) ، رقم ( 85 ) . ( 3 ) مكة : علم على جميع البلدة ، وهي البلدة المعروفة المعظمة المحجوجة ، غير مصروفة ، للعلمية والتأنيث ، وقد سماها اللّه - تعالى - في القرآن أربعة أسماء : بكة ، البلد الأمين ، والبلدة ، والقرية ، وأم القرى . ينظر : المطلع على أبواب المقنع لأبي الفتح البعلي الحنبلي ( 186 ) .