أبي منصور الماتريدي

309

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويحتمل قوله : هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ، أي : مقصود الكتاب ، يعني : المحكمات ، والمتشابهات مما فيه شبه « 1 » من غيره ؛ فيتشابه ؛ فهو متشابه ؛ كقولهم : إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا [ البقرة : 70 ] ؛ وكذلك المشكل « 2 » سمي مشكلا ؛ لما يدخل فيه شكل من غيره فسمي مشكلا ؛ فكذلك المتشابه يدخل فيه شبه غيره ؛ فصار متشابها ، واللّه أعلم . وقوله [ عزّ وجل ] « 3 » : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ قيل : ميل عن الحق « 4 » . وقيل : الزيغ : هو الريب والشك « 5 » . فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ ولو كان ثم اتباع لعذروا ؛ إذ الاتباع للشيء اتباع ما فيه من المراد ؛ وعلى هذا يقولون في قوله : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [ البقرة : 121 ] : أي يتبعونه حق اتباعه ، وكذلك قوله : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [ الأعراف : 3 ] . والمتشابه قد أنزل إلينا من ربنا ؛ فيحمد متبعه في الحقيقة ؛ فثبت أنه لم يكن ثم اتباع في الحقيقة ، وأنه لو كان لعذروا ، ولكنه كان - واللّه أعلم - اتباع الآراء في التأويل بالآراء الفاسدة ؛ ألا ترى أنهم طلبوا بالتأويل منتهى ملك هذه الأمّة ؟ ! وفي الوقوف عليه وقوف على علم الساعة وسبب

--> ( 1 ) في ب : شبهة . ( 2 ) المشكل في اللغة : مأخوذ من قولهم : أشكل أي : دخل في أمثاله وأشكاله . يقال : أشكل الأمر : التبس ، وحرف مشكل : ملتبس ومشتبه . والشكل : الشبه والمثل . وعند علماء الأصول : هو اللفظ الذي اشتبه مراد المتكلم للسامع بعارض الاختلاف بغيره من الأشكال ، مع وضوح معناه اللغوي . أي : هو ما اشتبه مراده بحيث لا يدرك إلا بالتأمل . وقيل : هو ما أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعاني ؛ لدقة المعنى في نفسه ، مثل قوله - تعالى - : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [ البقرة : 223 ] اشتبه معناه على السامع أنه بمعنى كيف ، أو بمعنى أين ، يعرف بعد الطلب والتأمل أنه بمعنى كيف بقرينة الحرث ، وبدلالة حرمة القربان في الأذى العارض ، وهو الحيض ، ففي الأذى اللازم أولى ، وفيه زيادة خفاء ، ولذلك قالوا : المشكل كرجل تغرب عن وطنه فاختلط بأشكاله من الناس ، فيطلب موضعه ، ويتأمل في أشكاله ليوقف عليه . ينظر : لسان العرب ( 4 / 2310 ) ( شكل ) ، والصحاح ( 5 / 1737 ) ( شكل ) ، ترتيب القاموس ( 2 / 773 ) ، وميزان الأصول للسمرقندي ( 1 / 510 ) ، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري ( 1 / 52 ) ، وفصول البدائع في أصول الشرائع ( 85 ) ، والكليات لأبي البقاء ( 340 ) ، وجامع العلوم للباقولي ( 3 / 266 ، 267 ) . ( 3 ) سقط من أ . ( 4 ) قاله محمد بن جعفر بن الزبير أخرجه عنه الطبري ( 6 / 184 ) رقم ( 6592 ) . ( 5 ) قاله ابن عباس أخرجه عنه الطبري ( 6 / 184 ) رقم ( 6595 ) ، وابن أبي حاتم ( 2 / 62 ) ، رقم ( 98 ) ، وابن المنذر كما في الدر المنثور ( 2 / 8 ) . وقاله أيضا ابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم أخرجه الطبري ( 6 / 184 ) رقم ( 9596 ) .