أبي منصور الماتريدي
18
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
من أهل الميراث . فحدوث الإرث لا يمنع حق القطع عنه بالمكتوب الأول . ومنهم من جعل ذلك فيمن كان وارثا . فورود البيان من بعد يقطع عنه المكتوب له . ثم من الناس من ادعى نسخ هذا بقوله : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [ النساء : 7 ] ، ولو جعل الوصية له ما جعل الله لهم فيه من النصيب خص به الكثير دون القليل ؛ فثبت أن ذلك ( الكتاب ) رفع عنهم مما جعل لهم الحق في الذي قل أو كثر . ثم الوجه فيه عندنا : فهو أنه إن لم يكن نسخ بهذه الآيات ، على ما قاله بعض الناس ، فهو منسوخ بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الله أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث » . فبين أنه قد كان أعطى ذا حق حقه على رفع ما كانت لهم من الوصاية فيه . ثم اختلفوا في الخبر الذي روى : « إن الله تبارك وتعالى قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث » . قال قائلون : فلا يجوز ورود النسخ على الآية ؛ إذ السنة لا ترد على نسخ الكتاب . وقال آخرون : لا ، ولكنه من أخبار الآحاد . وأخبار الآحاد ، على قولكم ، لا ترد على نسخ خبر مثله ، فكيف على كتاب رب العالمين ؟ فأما الأول - في أن السنة لا تعمل في نسخ الكتاب - : فقد سبق القول فيه ، أن الذي حملهم على هذا هو جهلهم بموقع النسخ ، وإلا لو علموه ما أنكروه . وهو ما قلنا : إن النسخ بيان منتهى الحكم إلى الوقت المجعول « 1 » له . فأما من قال : بأنه من أخبار الآحاد ، فإن الأصل في هذا أن يقال : إنه من حيث الرواية من الآحاد ، ومن حيث علم العمل به متواتر . ومن أصلنا : أن المتواتر بالعمل هو أرفع خبر يعمل ، إذ المتواتر المتعارف قرنا بقرن مما عمل الناس به لم يعملوا به ، إلا لظهوره ، وظهوره يغنى الناس عن روايته ، لما علموا خلوه عن الخفاء . ولهذا يقول في الخبر الذي جاء عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع » « 2 » ، فترد به الخبر المروى عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه من أخبار الآحاد . هو من حيث
--> ( 1 ) في أ ، ط : المجعولة . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 3 / 1543 ) كتاب : الصيد والذبائح ، باب : تحريم أكل كل ذي ناب ، حديث ( 16 / 1934 ) ، وأبو داود ( 2 / 383 ) كتاب : الأطعمة ، باب : النهى عن أكل السباع ، حديث ( 3803 ) ، والدارمي ( 2 / 85 ) كتاب : الأضاحي ، باب : ما لا يؤكل من السباع ، وأحمد ( 1 / 244 ، 289 ، -