أبي منصور الماتريدي
17
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ . تكلموا فيه بأوجه : قيل « 1 » : إنه منسوخ بما بين عزّ وجل في آية أخرى من حق الميراث . ومنهم من قال : لم ينسخ . ثم قيل : فيه بوجهين : قيل : إنه قد كان ذلك ؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد في الإسلام ، يسلم الرجل ولا يسلم أبواه . فقوله : كُتِبَ إنما وقع على من كان لا يرث . ومنهم من يقول : بأنها كانت للوارث ولم ينسخ ، وإنما يقع الأمر في غير من يرث ممن ذكر . لكن في ذلك ذكر ( كتب ) ، وذلك إيجاب . ولا يحتمل أن يفرض عليهم صلتهم مع التحذير عن اتخاذهم أولياء بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ [ التوبة : 223 ] ، وقوله : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [ المجادلة : 22 ] ، وفي إلزام الفرضية من حيث المعروف إبقاء الموالاة وإلزام المحبة ، وقد حذر وجود ذلك ؛ فثبت أن الآية فيمن يتوارثون اليوم لكنها نسخت . والله أعلم . ومنهم من يقول : لا ، ولكنه وقع على من كان يرث وعلى من كان لا يرث بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمْ ، فهو كان مكتوبا عليهم مفروضا في حق الوصاية . ثم من رأى نسخه استدل بقوله : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ النساء : 11 ] ، ذكر فيه الوصاية على بيان كل ذي حق حقه . فليس الذي أوصى الله يمنع وصايته التي كتب عليهم . لكن في الآية دليل لم ينسخ بهذه لوجهين : أحدهما : قوله : يُوصِيكُمُ اللَّهُ . فهو وصيته ذكره كذكر الوصاية في الأول ، ففيه جعل حق كالحق المجعول لهم إذا لم يذكر ذلك الوصية مع الميراث ثم نفاه . والوجه الآخر : أنه قال : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ [ النساء : 12 ] ، فجعل حكم الإرث على ذكر الوصية ، والإرث بعد الوصية ؛ فبان أن لها حكم البقاء . ثم قيل : فيه بوجهين : قال قائلون : قوله : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ النساء : 11 ] ، لم يكن ميراثا ، ولا هو
--> ( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 2659 ، 2660 ) ، وعن ابن عمر ( 2661 ) ، وعكرمة ، والحسن البصري ( 2662 ) ، وغيرهم ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 319 ) .