أبي منصور الماتريدي
619
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
منهما يشتمل على كل نوع من الآثام . ويحتمل : أن يكون السوء ما خفى من المعاصي ، والفحشاء ما ظهر منها . وقيل « 1 » : السوء ما لا حد فيه ، والفحشاء ما فيه حد من نحو الزنى « 2 » وشرب
--> ( 1 ) قاله ابن عباس كما في تفسير البغوي ( 1 / 138 ) . ( 2 ) الزنى لغة : الفجور . وهذه لغة أهل الحجاز ، وبنو تميم يقولون : زنى زناء . ويقال : زانى مزاناة ، وزناء : بمعناه . وشرعا : عرفه الحنفية بتعريفين : أعم ، وأخص . فالأعم : يشمل ما يوجب الحد وما لا يوجبه ، وهو وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهته ، قال الكمال بن الهمام : ولا شك في أنه تعريف للزنى في اللغة والشرع ؛ فإن الشرع لم يخص اسم الزنى بما يوجب الحد منه بل هو أعم . والموجب للحد منه بعض أنواعه ؛ ولذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة ، فزنى العين النظر . . . » الحديث . ولو وطئ رجل جارية ابنه لا يحد للزنى ، ولا يحد قاذفه بالزنى فدل على أن فعله زنى وإن كان لا يحد به . والمعنى الشرعي الأخص للزنى : هو ما يوجب الحد ، وهو وطء مكلف طائع مشتهاة حالا أو ماضيا ، في قبل خال من ملكه وشبهته ، في دار الإسلام ، أو تمكينه من ذلك ، أو تمكينها . وعرفه المالكية بأنه : وطء مكلف مسلم فرج آدمي لا ملك له فيه بلا شبهة تعمدا . وعرفه الشافعية بأنه : إيلاج حشفة أو قدرها في فرج محرم لعينه مشتهى طبعا بلا شبهة . وعرفه الحنابلة : بأنه فعل الفاحشة في قبل أو في دبر . والزنى حرام ، وهو من أكبر الكبائر بعد الشرك والقتل ، قال الله تعالى : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً * يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً * إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [ الفرقان : 68 - 70 ] . وقال تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [ الإسراء : 32 ] . قال القرطبي : قال العلماء : قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى أبلغ من أن يقول : ولا تزنوا ؛ فإن معناه : لا تدنوا من الزنى . وروى عبد الله بن مسعود قال : سألت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : أي الذنب عند الله أكبر ؟ قال : « أن تجعل لله ندا وهو خلقك » . قلت : ثم أي ؟ قال : « أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك » . قلت : ثم أي ؟ قال : « أن تزانى بحليلة جارك » . وقد أجمع أهل الملل على تحريمه فلم يحل في ملة قط ؛ ولذا كان حده أشد الحدود ؛ لأنه جناية على الأعراض والأنساب . وهو من جملة الكليات الخمس ، وهي حفظ النفس والدين والنسب والعقل والمال . ويتفاوت إثم الزنى ويعظم جرمه بحسب موارده : فالزنى بذات المحرم أو بذات الزوج أعظم من الزنى بأجنبية أو من لا زوج لها ؛ إذ فيه انتهاك حرمة الزوج ، وإفساد فراشه ، وتعليق نسب عليه لم يكن منه ، وغير ذلك من أنواع أذاه ؛ فهو أعظم إثما وجرما من الزنى بغير ذات البعل والأجنبية . فإن كان زوجها جارا انضم له سوء الجوار ، وإيذاء الجار بأعلى أنواع الأذى ، وذلك من أعظم البوائق ، فلو كان الجار أخا أو قريبا من أقاربه انضم له قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم ، وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بواثقه » ، ولا بائقة أعظم من الزنى بامرأة الجار . فإن كان الجار غائبا في طاعة الله كالعبادة ، أو طلب العلم ، أو الجهاد ، تضاعف الإثم حتى إن الزاني بامرأة -