أبي منصور الماتريدي

620

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الخمر « 1 » وغيره .

--> - الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة ، فيأخذ من عمله ما شاء ، قال رسول صلى اللّه عليه وسلم : « حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم ، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم ، إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء فما ظنكم ؟ ! » أي : ما ظنكم أن يترك له من حسناته وقد حكم في أن يأخذ ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة . فإن اتفق أن تكون المرأة رحما له انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها ، فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا كان الإثم أعظم ، فإن كان شيخا كان أعظم إثما وعقوبة ، فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام ، أو بلد حرام ، أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلوات وأوقات الإجابة تضاعف الإثم . ينظر : شرح القدير ( 5 / 31 ) ، حاشية ابن عابدين ( 3 / 141 ) ، حاشية الدسوقي ( 4 / 313 ) ، مغنى المحتاج ( 4 / 143 ) . ( 1 ) حرمة الخمر ثابتة بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة . أما الكتاب فقوله تعالى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ المائدة : 90 ، 91 ] . وتحريم الخمر كان بتدرّج وبمناسبة حوادث متعددة ؛ فإنهم كانوا مولعين بشربها . وأول ما نزل صريحا في التنفير منها قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس ، وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير ، ولم يتركها بعضهم ، وقالوا : نأخذ منفعتها ، ونترك إثمها . فنزلت هذه الآية : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فتركها بعض الناس ، وقالوا : لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة ، وشربها بعضهم في غير أوقات الصلاة حتى نزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ . . . الآية ؛ فصارت حراما عليهم ، حتى صار يقول بعضهم : ما حرم الله شيئا أشد من الخمر . وقد أكد تحريم الخمر وكذلك الميسر في الآية بوجوه من التأكيد : منها : تصدير الجملة ب ( إنما ) . ومنها : أنه سبحانه وتعالى قرنهما بعبادة الأصنام . ومنها : أنه جعلهما رجسا . ومنها : أنه جعلهما من عمل الشيطان ، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت . ومنها : أنه أمر باجتنابهما . ومنها : أنه جعل الاجتناب من الفلاح ، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة وممحقة . ومنها : أنه ذكر ما ينتج عنهما من الوبال ، وهو وقوع التعادى والتباغض من أصحاب الخمر والقمار ، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله ، وعن مراعاة أوقات الصلاة . وقوله تعالى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ من أبلغ ما ينهى به ، كأنه قيل : قد تلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع ، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون ، أم أنتم على ما كنتم عليه ، كأن لم توعظوا ولم تزجروا ؟ ! وأما السنة فقد وردت أحاديث كثيرة في تحريم الخمر قليلها وكثيرها . وقد قال جماهير العلماء : كل شراب أسكر كثيره حرم قليله ، فيعم المسكر من نقيع التمر والزبيب وغيرهما ؛ لما تقدم من الآية الكريمة ، وللأحاديث الشريفة التالية : عن عائشة - رضي الله عنها - أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كل شراب أسكر فهو حرام » . وقال عليه الصلاة والسلام : « كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام » ، وعن سعد بن أبي وقاص أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره » ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما أسكر كثيره فقليله حرام » ، وقال عليه الصلاة والسلام : « كل مسكر حرام ، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام » ، وعن أم سلمة قالت : « نهى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر » . فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر حرام ، ومنها ما يدل على تسمية كل مسكر خمرا ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كل مسكر خمر » ، كما يدل بعضها على أن -