أبي منصور الماتريدي
597
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ . قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وما ذكر فيه تذكير من الله عزّ وجل للخلق ؛ لئلا يجزعوا على ما يصيبهم من أنواع ما ذكر ، من المصائب . وفي كل نوع ما ذكر من المصائب إضمار « شئ » ، من نحو بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ و بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ والله أعلم ؛ لأن الله عزّ وجل أخبر في غير آية من القرآن : أنه خلقهم للموت والفناء ، وأن ما أعطاهم من الدنيا والزينة فيها كله للفناء والفوات بقوله : خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : 2 ] وقال : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( 7 ) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( 8 ) [ الكهف ] . أخبر أن الدنيا وزينتها للفناء ، فمن عرف أن ذلك كله [ لما ذكرنا يحق عليه ما يصيبه من الأمراض والأوجاع والنقص في الأموال والأنفس وما ذكر إذ ذلك كله ] « 1 » دون ما ذكر ، وليعلموا أن ما أعطاهم من الحياة والصحة والسلامة لم يكن أعطاهم لحق لهم ، بل للإفضال والإحسان ، وقد جعل ذلك لمدة لا للأبد ، فكأنها في غير تلك المدة لغيرهم لا لهم ، فعرفوا به منته لوقت وحقه وقت الأخذ . ثم يحتمل ما ذكر من الخوف وجهين : على جهة العبادة من نحو الأمر بمجاهدة العدو والقتال معه . ويحتمل لا على جهة العبادة ، وكذلك الجوع يحتمل الجوع الذي فيه عبادة ، وهو الصوم . ويحتمل ما يصيبهم من المجاعة في القحط ما أصاب أهل مكة سنين ، وكذلك قوله : وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ ، يحتمل : وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ يمتحنهم بأداء الزكاة والصدقة . ويحتمل الهلاك بنفسها ، وكذلك وَالْأَنْفُسِ يحتمل الصرف على الوجهين اللذين ذكرتهما . وكذلك وَالثَّمَراتِ . ثم لا يحتمل خصوص الامتحان بما ذكر دون غيره ؛ لأنهم كلهم عبيده ، له أن يمتحنهم بأجمعهم بجميع أنواع المحن ، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه لما عرفهم أن كل ذلك إنما خلق للفناء ، فالبعض منه كذلك ، ليخف ذلك عليهم . والله أعلم . ثم أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يبشر الذين صبروا على المصائب التي امتحنهم بها عزّ وجل ، ولم يجزعوا عليها ، وقالوا : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ . فيه الإقرار بوحدانيته عزّ وجل ، وبالبعث بعد الموت .
--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ ، ط .